تتصدر الانتخابات البرلمانية أحاديث الشارع المصرى، خاصة بعد الأحكام القضائية التى صدرت بإعادة الانتخابات فى 30 دائرة، وما أثارته من تساؤلات حول مستقبل العملية الانتخابية. ولولا تعليق الرئيس السيسى وإعادة فتح هذا الملف بشفافية، لظل كثيرون يشعرون بأن ما جرى لن يناقَش أو يُعالج، بينما جاء هذا التعليق ليمنح المواطنين إحساسًا بوجود قيادة تتابع التفاصيل وتستجيب لنبض الشارع.
الانتخابات الأخيرة ارتبطت بظاهرتين جوهريتين: العوار الإجرائى والمال السياسى. ورغم أن العوار أصبح واقعًا موثقًا عقب صدور الأحكام، فإن المال السياسى يبقى الظاهرة الأخطر والأعمق تأثيرًا فى الوعى العام والممارسة الديمقراطية.
فقد عرف المجتمع المصرى عبر عقود ما يسمى بشراء الأصوات، ثم تطور المصطلح زمن حكم الإخوان إلى الرشاوى الانتخابية التى حملت اسم «الكرتونة»، وصولًا إلى الصيغة الأكثر تهذيبًا ولكن الأكثر خطرًا: المال السياسى. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها ترسخت حتى أصبحت جزءًا من المشهد فى بعض المناطق.
ويعود ذلك ـ وفق تحليل يعتمد على المعطيات الميدانية ـ إلى عاملين رئيسيين: الجهل والحاجة.
العامل الأول، الجهل، يرتبط بغياب الوعى بحقيقة أن صوت الناخب ليس فعلًا لحظيًا ينتهى بانتهاء اليوم الانتخابى، بل هو اختيار يحدد شكل التشريعات والرقابة واتجاه الدولة لفترات قد تمتد لأجيال. كثيرون لا يدركون أن نائب البرلمان ليس خدمة فردية، بل ممثل لصناعة القرار.
أما العامل الثانى، الحاجة، فيتعلق بالضغوط الاقتصادية التى تدفع البعض لقبول مقابل مادى لا يساوى شيئًا أمام قيمة الصوت نفسه، لكنه ـ فى تقديرهم ـ مكسب سريع لسد فجوة يومية. وهنا تكمن خطورة المال السياسى، فهو يستغل الظروف الاجتماعية لصناعة تمثيل برلمانى مشوَّه لا يعكس الإرادة الحقيقية للمواطن.
ومع إعادة الانتخابات فى الدوائر المتضررة، تبدو الفرصة سانحة لإعادة بناء الثقة عبر تشديد الرقابة، ورفع الوعى، وإبراز خطورة تحويل العملية الانتخابية إلى سوق بيع وشراء. فالديمقراطية لا تُبنى بالأموال، بل بوعى وإرادة شعب يعرف قيمة صوته ويختار من يمثله بضمير.
إن ما تشهده الساحة اليوم ليس مجرد تصحيح مسار لـ 30 دائرة، بل اختبار حقيقى لقدرة المجتمع على مواجهة المال السياسى، وإعادة الاعتبار لفكرة أن صوت المواطن هو حجر الأساس لأى برلمان يحترم الأمة ويعبر عنها.

متعة شارع الفن
نبيل فهمي.. المهمة الأصعب
«السبوبة»








