مهند عدلي... يكتب
لأول مرة منذ عام 1996 تحتفظ البنوك المركزية الأجنبية بالذهب أكثر من سندات الخزانة الأمريكية وفي الحقيقة فإن هذه ليست مجرد معلومة بل إشارة لتغير قادم في سوق النقد العالمي بفعل التخوف من إنفجار الدين الأمريكي وأزمة سقف الديون المتكررة باستمرار والخوف من استعمال واشنطن المفرط لتجميد الأصول الدولارية عند أي صراع محتمل ومن ثم فلا يوجد أي بنك مركزي يريد أن تكون كل احتياطاته رهينة بيد أمريكا.
فالذهب يحتل مكانة مميزة في النظام المالي العالمي فهو سلعة وأصل نقدي في آن واحد وتنبع قيمتة الدائمة من ندرته وخصائصه المادية وأهميتة التاريخية وعلى عكس العملات الورقية التي يمكن طباعتها بحرية فإن محدودية عرض الذهب تُشكل قيوداً طبيعية جعلته أصلاً موثوقاً به على مدى السنين.
لذلك يتعامل الإقتصاد العالمي مع الذهب بشكل مختلف عن السلع الآخرى نظراً لطبيعته المزدوجة، فالإنتاج السنوي من التعدين لا يضيف سوى ما يقارب 1.5-2% إلى المخزونات السطحية الحالية ما يعزز مكانة الذهب كمورد نادر.
يتناقض هذا النمو المحدود في العرض بشكل حاد مع توسع المعروض النقدي في الاقتصادات الكبرى ما يجعل الذهب وسيلة تحوط ضد انخفاض قيمة العملات.
ويعتبر الذهب وسيلة جذابة لتنويع المحافظ الإستثمارية وتزيد ندرتة النسبية من قيمته الإستثمارية على المدى الطويل كما أن حجم سوقه الكبير يجعله مناسباً لمختلف فئات المستثمرين من الأفراد إلى المؤسسات والبنوك المركزية.
وبسبب هذه الخصائص الفريدة كان الذهب هو أساس النظام النقدي العالمي الذي أقرته اتفاقية "بريتون وودز" عام 1944 والذي انهار عام 1971 فيما عُرف (صدمة نيكسون) حين أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب مما أدي إلي احداث صدمة هائلة في العالم وارتفاع حاد في أسعار الذهب الذي ظل منذ ذلك الوقت وحتي الآن هو الملاذ الآمن ليس فقط للأفراد والمستثمرين ولكن أيضاً للبنوك المركزية للدول والعملات الوطنية.
فبمجرد فك الارتباط بالذهب أصدر السوق حُكماً وحشياً على الدولار وانخفضت قيمته بسرعة بنسبة 90% مقابل الذهب ولم يتعافَ أبداً وبدلاً من ذلك قدم الذهب ملاذاً غير مباشر من خلال معيار نفطي فعال.
فقد أبرمت الولايات المتحدة صفقة مع المملكة العربية السعودية لتوحيد جميع معاملات النفط بالدولار وهو ما حافظ هذا على مركزية الدولار في سوق النقد العالمي في حين أن مصدري النفط استعدوا للأسواق العالمية المقومة بالدولار من خلال إعادة تدوير "دولارات النفط" الخاصة بهم وكانت المشكلة أن مصدري النفط أرادوا الحفاظ على قيمة نفطهم مقابل الذهب لكن النفط على عكس الذهب هو أمر أساسي للاقتصاد الصناعي.
وهذا النظام الجديد اتاح الفرصة لفتح أفاق التجارة العالمية التي كانت مقيدة بإحتياطات الذهب العالمي التي لم تتجاوز قيمتها 18 تريليون دولار كحد أقصي في بداية 2025 في حين أن حجم الناتج العالمي والإقتصاد العالمي ككل وصل إلي 111 تريليون دولار فهذا الفارق الهائل لم يكُن ممكناً دون التحرر من قاعدة الذهب مقابل الدولار.
ومع سياسات الفيدرالي الأمريكي في عام 2024 وتقلبات سوق الصرف بما فيه العملات الرقمية والإستخدام السياسي المفرط للدولار في العقوبات الأمريكية فقد أدي ذلك إلي زيادة مشتريات البنوك المركزية خلال عام 2024 مع ارتفاع قياسي في مستوي الطلب على الذهب وبالتالي ارتفاع السعر العالمي بشكل متوالي ومفاجئ.
ومع تغيير سياسات الفيدرالي الامريكي منذ يناير 2025 بدأت الاسواق تشهد حالة من تراجع سعر الدولار عالمياً وفي المقابل ارتفاعات مضطردة في سعر الذهب باعتباره الملاذ الامن دائما في هذه الحالات.
ولكن توالت الزيادات بمستويات غير مسبوقة وغير معتادة حيث ارتفعت اسعار الذهب منذ يناير 2025 وحتي أكتوبر 2025 الي ما يقارب الضعفين وهو معدل قياسي بامتياز ورغم التراجع الذي يشهده سعر الذهب منذ اواخر اكتوبر من انخفاضات نسبية الا انها لا تقارن بمعدلات الارتفاع السابقة عليها.
هذا التخبط اثار موجة من القلق عالمياً ومحلياً والحقيقة ان الامر لا يدعو للقلق اطلاقاً قياساً بالخلفية التاريخية السابق شرحها فما جري منذ يناير 2025 في سعر الذهب مقابل الدولار كان موجة تصحيحية لسياسات الفيدرالي الامريكي علي مدار العامين الماضيين وما يحدث للذهب منذ يناير وحتي أكتوبر هو اعادة تصحيح للمعادلة التي تجاوزت الحدود.
لذلك لا اري ان هناك دواعي للقلق او التحفظ بأكثر من اللازم فالأمور لا تعدو ان تكون مجرد موجة تصحيحية بتوابعها المتنوعة فسيظل الذهب الملاذ الامن وسيظل الدولار العملة الأقوى عالمياً ربما لعقد كامل علي الاقل ... فاستراتيجياً .. لا جديد تحت الشمس .

وزير التعليم يعيد الاعتبار للغة العربية والتربية الدينية بتوجيهات الرئيس السيسي.
أحمد علي: السينما العربية تشهد طفرة نوعية والمنصات الرقمية فتحت أبواب العالمية
J&T Express تشارك في معرض Egy Beauty Africa 2026







