«البامبو» يبحث عن «تلامذة» |«عم محمد» 70 عامًا من الإبداع فى مهنة تعانى

البامبو
البامبو


داليا فهمى

فى أحد الأزقة الهادئة بشارع رمسيس فى القاهرة، ينبعث صوت المطرقة الخفيف ممتزجًا برائحة الخشب الطبيعى ودفء المكان الذى يحمل بين جدرانه عبق التاريخ، هناك يجلس «الحاج محمد» ذو السبعين عامًا، على مقعد من صنع يديه، محاطًا بعشرات الكراسى والطاولات التى تشهد على رحلة عمر طويلة قضاها فى صناعة «البامبو».

الحاج محمد، الرجل السبعينى الذى يحمل ملامح الصبر والحكمة، لم يكن مجرد صانع للأثاث، بل شاهدًا على تاريخ مهنة تُصارع من أجل البقاء، فقد ورث الحرفة من والده الحاج إبراهيم، الذى كان من أوائل من أدخلوا صناعة «الخيزران» أو «البامبو» فى شارع رمسيس، منذ أكثر من مائة عام، حيث كانت الورشة تحمل اسم «الحاج سيد السرجاني»، ولا تزال قائمة حتى اليوم.

اقرأ أيضًا| رحلة صناعة «البامبو» من القرى والنجوع إلى الفيلات والقصور | فيديو

يحكى الحاج محمد وهو يلمس بيده عصا البامبو اللامعة قائلاً: «نزلت الورشة وأنا عندى 12 سنة مع والدى، كنت أشاهده وهو يتفنن فى تشكيل البامبو أيام الاحتلال البريطاني، ومن وقتها وأنا بحب هذه المهنة».

ويضيف بابتسامة فخر: «هذه الصناعة دى عمرها طويل، ولسه ليها زبون من كل الطبقات، من الغنى للفقير، الكل بيحب شكل الكراسى والديكورات اللى بنعملها، فيها روح ومجهود يدوى صافى».

وعن تحديات المهنة، يقول الحاج محمد إن تكلفة الصناعة أصبحت عبئًا ثقيلًا بعد ارتفاع أسعار المواد الخام المستوردة من إندونيسيا وماليزيا، خاصة منذ جائحة كورونا، مضيفا:» كنا بنشترى البامبو زمان بنصف السعر، لكن دلوقتى الأسعار نار، والكرسى اللى بيتكلف 1800 جنيه بنبيعه بـ2000 جنيه بالعافية، والربح بسيط جدًا».

ويشرح مراحل التصنيع قائلاً: «الموضوع كله شغل يدوى، بنبدأ بتقطيع الخامة، وبعدها تركيب الهيكل وتثبيته، وكل خطوة فيها مجهود وفن».

ويرى الحاج محمد أن الزبائن تغيرت أذواقهم، قائلاً «الزبون زمان كان من أبناء الطبقة الراقية، بيحب الشغل الأصيل، لكن النهارده الزبون من كل الطبقات، واللى بيشترى بيختار التصميم على حسب ذوقه».

ويؤكد أن البامبو لا ينافسه البلاستيك أبدًا، مردفا: «كرسى البامبو يعيش 20 سنة، والبلاستيك سنة واتنين بالكثير، وده اللى بيخلى الناس ترجع لنا تانى.. لكن أكثر ما يؤلم الحاج محمد هو هروب العمالة من المهنة، قائلا: «هذه الأيام الصنايعية صاروا يشتغلوا على التوك توك، السوق ضعف والورش بتقفل واحدة ورا التانية»، ورغم ذلك، يرفض الاستسلام: «ما زال عندى أمل إن هذه المهنة تعيش، لأنها فن أصيل ومش أى حد يعرف يعمله» .. ويشير عم محمد إلى أطقم الكراسى المصنوعة بإتقان قائلاً: «عندى طقم بامبو بـ4 آلاف و10 آلاف و17 و20 ألف جنيه، حسب الشغل والتصميم، وكل زبون وله طلبه»، ويختم حديثه بكلمات تختصر مشوار عمره: «عايز أطور المهنة وأعلمها للأجيال الجديدة، لأن البامبو مش مجرد كرسى، دى حكاية عمر وقطعة من تاريخ مصر».