لم يتوقف الإبداع المصري القديم عند حدود الطب والفلك والهندسة وبناء الأهرامات، بل امتد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية، ومنها طرق الحصول على مياه نظيفة وصالحة للشرب.
فعلى الرغم من قدسية نهر النيل وكونه المصدر الوحيد للمياه في مصر القديمة، فإن المصري القديم أدرك أن المياه قد تحمل رواسب طبيعية تحتاج إلى معالجة، فابتكر واحدة من أقدم وسائل تنقية المياه باستخدام بذور المورينجا وتقنيات الترسيب الطبيعية.
اقرأ أيضًا | حكايات عبر العصور| "التين في الحضارة المصرية القديمة" بين الغذاء والرمزية المقدّسة
لم يكن نهر النيل، رغم نقائه مقارنة بالوقت الحالي، خاليًا من الشوائب الطبيعية في العصور القديمة. فقد كانت مياه النهر تتعرض لوجود الطحالب والرمال الناعمة فقط، بعيدًا عمّا نعانيه اليوم من ملوثات صناعية وبقايا عضوية ونفايات وبسبب قدسية النهر في معتقدات المصريين القدماء، لم يكن أحد يتجرأ على إلقاء الفضلات أو الجيف فيه، إذ كان يُنظر إلى ذلك باعتباره انتهاكًا لغضب الآلهة.
ورغم أن تلك الشوائب الطبيعية لم تكن خطيرة، فإن المصري القديم بطبيعته الدؤوبة سعى للحصول على مياه أكثر نقاءً، فابتكر تقنية تعتمد على بذور المورينجا التي كانت تنمو في جنوب مصر.
وقد أثبت العلم الحديث أن لهذه البذور قدرة عالية على تنقية المياه، بفضل البروتينات موجبة الشحنة التي تحتوي عليها، والتي تتجمع حول البكتيريا والشوائب الدقيقة وتعمل على ترسيبها في قاع الوعاء، لتصبح المياه أكثر صفاءً وأمانًا للشرب.
وكانت طريقة التنقية تتمثل في وضع بذور المورينجا داخل أوانٍ فخارية مليئة بمياه النيل، ثم تُهرس البذور بداخل الماء، ويضاف القليل من الرمل النظيف في قاع الإناء للمساعدة في عملية الترسيب، وبعد فترة قصيرة، تتم عملية تصفية المياه لتصبح صالحة للشرب.
وقد عُثر على دلائل أثرية واضحة تؤكد استخدام هذه الطريقة، أبرزها النقوش الموجودة في مقبرة النبيل ماحِربري الذي عاش في عصر تحتمس الرابع ودُفن في وادي الملوك، حيث عُثر أيضًا على أوانٍ تحتوي على بقايا زيت وبذور المورينجا، كما تُصور إحدى الجداريات الشهيرة في مقبرة نفرو أم المحفوظة اليوم في متحف اللوفر مشاهد لسكان ذلك العصر وهم يشربون ماءً نقيًا، ما يدل على الاهتمام الكبير بنقاء مياه الشرب خلال زمن رمسيس الثاني.
وتكشف هذه الاكتشافات عن جانب آخر من عبقرية الحضارة المصرية القديمة، التي لم يكن ابتكارها مقتصرًا على المعابد العملاقة والطب المتقدم، بل شمل أيضًا تفاصيل الحياة اليومية، ومنها تطوير أولى وسائل تنقية مياه الشرب بإستخدام مواد طبيعية وطرق علمية سبقت عصرها بآلاف السنين.

مشروبات الطاقة.. أضرار ومضاعفات خطيرة
«اللبن المتجمد أم القاطع».. أيهما أفضل للاستخدام
جددي في مطبخك.. طريقة تحضير فيليه اللحم بحشو الخضار







