رحلة عبر الزمن | «نجمت».. سيدة طيبة حكمت من وراء الستار

نجمت
نجمت


نجمت.. إمرأة عاشت بين أواخر الأسرة العشرين وبدايات الحادية والعشرين، وتميزت بنفوذ قوي خلال زواجيها من الكاهنين باعنخي ثم حريحور، كانت تدير طيبة في غياب زوجها الأول، وظلت صاحبة الكلمة العليا رغم قوة زوجها الثاني. 

أنجبت أبناءً عدة كان أبرزهم باينجم الأول الذي أصبح ملكًا لمصر، حملت ألقابًا ملوكية وكتب اسمها داخل خراطيش رغم أنها لم تكن ملكة، ويُرجح بعض العلماء أنها ربما كانت ابنة رمسيس الحادي عشر، أما مومياؤها فتعكس تطور فن التحنيط في تلك الفترة، حيث استخدمت لها عيون كوارتز، وشعر مستعار، وحُشي جسدها بنشارة الخشب مع إغلاق فتحاته بالشمع.

في أواخر أيام الأسرة العشرين وبدايات الأسرة الحادية والعشرين، بزغ اسم امرأة لم تكن ملكة، لكنها كانت تمتلك من النفوذ والقوة ما جعلها تحكم طيبة من خلف الستار، كانت تلك المرأة هي نجمت؛ سيدة لها حضور طاغٍ وشخصية تُحسب لها ألف حساب في زمنٍ كان الكهنة هم القابضين على السلطة.

بدأت حكايتها حين تزوجت من الكاهن الكبير بأنخي، الرجل الذي كانت له مكانته في معبد آمون، ورغم مكانته العالية، إلا أنه كان يثق في نجمت ثقة جعلته يترك لها إدارة طيبة بأكملها كلما غاب، كانت الآمرة الناهية، تقضي في شؤون المعبد، وتُسيّر أمور الناس وكأنها ملكة بالفعل.

 وفي هذا البيت القوي أنجبت أبناءها الأربعة: "حقا نفر"، و"حقا ماعت"، وابنتها "عنخف إن موت"، ثم ابنها الأصغر الذي سيصبح لاحقًا ملكًا على مصر، "باينجم الأول".

لكن الأيام لا تستقر لأحد، وما إن مات باعنخي حتى دخلت نجمت مرحلة جديدة من حياتها، فتزوجت من حريحور، كاهن آمون الأكبر الذي كان يزداد قوة يومًا بعد يوم، وبرغم قوته، إلا أن نجمت احتفظت بنفوذها، وما زالت الكلمة النافذة في البيت وفي طيبة. 

وتروى الحكايات أن حريحور وقد ضاق الناس بكثرة ما يرونه من سلطانها واجهها قائلًا: "أمُري وانهِي كما تشائين بيني وبينك، أما أمام الناس، فأنا الآمر وأنا الناهي"، كلامه كان صريحًا، لكنه يعكس مكانتها وقدرها، فقد كانت امرأة يصعب تجاوزها.

ولم يقتصر نفوذ نجمت على السلطة غير الرسمية؛ بل حملت ألقابًا ملوكية لم تُمنح لامرأة لم تجلس على العرش. لُقّبت بـ "ربة الأرضين" و"أم الملك"، ودُوِّن اسمها داخل خراطيش الملوك، وكأن القدر كان يمنحها مُلكًا لم تتوّج به رسميًا، حتى إن بعض العلماء، ومنهم "كارل وينكلن"، رجّحوا أنها قد تكون ابنة رمسيس الحادي عشر آخر ملوك الرعامسة، رغم أن ذلك لم يُثبت يقينًا.

ثم تأتي نهاية الحكاية في موميائها، التي كشفت عن عناية فائقة بفن التحنيط الذي تطوّر في الأسرة الحادية والعشرين، جرى إعداد جسدها بعناية دقيقة؛ عيونها كانت من حجر الكوارتز الأبيض، بينما بقيت حواجبها الحقيقية كما هي.

 شعرها كان مستعارًا، وأطرافها حُشيت بالكتان وأعيد تشكيلها لتبدو ممتلئة كما كانت في حياتها، أما فتحات الأنف والعينين والأذنين فقد خُتمت بطبقة من الشمع، وامتلأ جسدها من الداخل بنشارة الخشب ليظل ثابتًا محتفظًا بهيئته.

وهكذا رحلت نجمت عن الدنيا، لكنها تركت وراءها قصة امرأة سبقت زمانها، حكمت دون عرش، وأثرت في طيبة دون أن ترتدي التاج، امرأة لم تكن ملكة، لكن آثارها تقول إنها كانت أكثر قوة من كثير من الملوك.
اقرأ أيضا | فصول من كتاب الموتى.. السر الخفي في تابوت «ديريبو»