لا أدرى ماذا كنت سأفعل لو كان حفيدى أحد أولئك الأطفال الذين أوجعونا فى واقعة مدرسة دولية ، مجرد تخيّل المشهد يثير الذعر فما بالك بمن عاشه؟.. وصور المتهمين كفيلة بأن تجعلنا نبكى ألما، وجوه لا تعرف الانسانية وقلوب نزعت منها الرحمة.. وكيف يُساق اطفال الى اماكن بعيدة لإعدام طفولتهم تحت التهديد والرعب؟
قد يكون الإعدام هو العدالة ولكنه قليل عليهم، المجرمون يموتون مرة واحدة، أما الطفل والطفلة الضحايا فتموت أرواحهم كل ليلة، ويظل الكابوس يطاردهم ويعيشون الرعب فى نومهم ويقظتهم، وتمتد الجريمة على مدى سنوات تنهش ما تبقى من الطمأنينة.
بعض الجرائم هذه الأيام تجعلنا نتخيل انها فيلم رعب طويل، أبطاله ليسوا ممثلين بل أشخاص من لحم ودم، ومشاهد تتجاوز الخيال، وكأن المجرمين ذئاب انفلتت دون رحمة أو شفقة، متعطشة لهتك إنسانية البشر قبل أجسادهم.
لا يجب أن تلهينا مشاكل لقمة العيش، وأصبحنا فى حاجة إلى «كونسلتو» مجتمعى كامل، وخبراء فى الأمن وعلم النفس والتعليم والدين والإعلام والقانون.. الجميع لأن الخطر لم يعد بعيداً، وقد يخرج فجأة أمام أحدنا فى لحظة، وقد يتحول طريق العودة إلى المنزل إلى قدر أسود.
لم تعد المخدرات تسرق العقل فقط بل تغتال الضمير، وصار متعاطيها خنجرا يمكن أن يقتل دون رحمة، ويغتصب ويسرق ويعتدى، ثم ينظر حوله بدهشة كأنه لا يدرى ما فعل.
وشاهدت من أيام فيديو مؤلما لمحاكمة شاب قتل أمه على سجادة الصلاة بسبب المخدرات، والقاضى العظيم يلقنه عبارات تهتز لها السماء عن البر بالوالدين قبل أن يسلمه لحبل المشنقة، ويحذر المجتمع كله من المخدرات التى تحول متعاطيها الى مجرم بلا عقل ولا ضمير.
وفى بيوتنا جميعا مخدرات من نوع آخر اسمها الأفلام والمسلسلات، التى يفترض أن تعكس القيم فتحولت عند البعض إلى سوق للمشاهد المثيرة والدماء والعنف المجانى وتطبيع الفحش، تحت ذريعة معالجة الواقع الاجتماعى وهى تدمره وتنشر أمراضها وليس أمراض المجتمع، وصار بعض صانعيها شركاء فى الجرائم، وحين يتخلى الفن عن دوره يتحول إلى وقود يسكب النار على العقول المترددة.
ولا اميل الى اكذوبة تعليق الجرائم على شماعة الفقر فليس كل المجرمين فقراء، والفقر فى زمنٍ مضى كان حافزاً للكفاح، أما الجرائم فيقف خلفها شياطين بشرية، وبعضها لا يتحرك بحثاً عن مال، بل بحثاً عن لذة مرضية، ورغبة منحرفة، وضمير ميت، وصار الشر هوية مستقلة لا علاقة لها بجيوب فقيرة بل بنفوس خربة.
والايمان.. و»إذا الإيمان ضاع فلا أمان، ولا دنيا لمن لم يحيى دينا»، وحين يتراجع الخطاب الدينى الأخلاقى لصالح ممارسات شكلية، يتسع الفراغ داخل الأرواح، ويكبر الشر وتتجمد المشاعر، وتصبح زينةً لا منهجاً، وطقوسا لا تؤثر فى النفوس .

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







