أزمة الأمان في المدارس الخاصة.. كيف تحولت بيئة تعليمية إلى مأوى للخطر؟  

المتهمين في أزمة مدرسة سيدز الدولية بمدينة العبور
المتهمين في أزمة مدرسة سيدز الدولية بمدينة العبور


عادل النجدي: يجب فصل مرحلة رياض الأطفال عن المراحل الأكبر منها وتخصيص إشراف نسائي لها

محمد خليل: لابد من وجود كاميرات مراقبة داخل المدارس

عضو لجنة التعليم بالبرلمان: غياب واضح لعدم الكشف الدوري عن المخدرات لجميع العاملين في المدارس 

جمال فرويز: ضرورة تلقين الأطفال قواعد "الجسد الآمن" منذ الصغر

 

في واقعة صادمة هزت الضمير المجتمعي، وأعادت طرح أسئلة خطيرة حول بيئة الأمان داخل المؤسسات التعليمية، تفجرت أزمة مدرسة سيدز الدولية بمدينة العبور، بعد الكشف عن تعديات وانتهاكات مروعة تعرض لها أطفال في مرحلة رياض الأطفال على يد عمال داخل الحرم المدرسي. 

اقرأ أيضاً| «الطفولة والأمومة» يشيد بقرارات التعليم بشأن واقعة مدرسة «سيدز الدولية»

الحادثة التي بدأت همساً بين أولياء الأمور، سرعان ما تحولت إلى موجة غضب عارم، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، ودفعت الجهات الرسمية إلى التدخل العاجل، في ظل حالة من الذهول والذهول أمام ما اعتبر "خيانة للمكان الذي يُفترض أن يكون الأكثر أماناً للأطفال".

المدرسة التي يفترض أن تُشكل "البيت الثاني" للصغار، تحولت فجأة إلى ساحة تهديد، وسط تساؤلات مريرة حول كيفية اختراق أسوار مؤسسة دولية بهذا الحجم، وغياب الرقابة والمهنية، والسماح بتفاعل مباشر بين الأطفال وعمالة غير مؤهلة، بعيداً عن أعين الكاميرات والمشرفين. 

وبين شهادات أسر مذهولة، وعرض أطفال على الطب الشرعي، وقرارات وزارية عاجلة بوضع المدرسة تحت الإشراف الكامل للدولة، بدا المشهد وكأنه جرس إنذار مدوي يفتح ملفاً أعمق: هل ما حدث في سيدز استثناء.. أم أنه عنوان لأزمة أكبر تهدد منظومة الأمان داخل المدارس؟

هذه الحادثة، بما أثارته من صدمة، وما كشفته من ثغرات خطيرة في إدارة المدارس الخاصة والدولية، دفعت خبراء التعليم والنفس والقانون إلى إطلاق تحذيرات قاطعة بشأن ضرورة إصلاح جذري لأنظمة الإشراف والتوظيف، وتوفير حماية حقيقية للأطفال، في وقت تتزايد فيه شكاوى الأسر من غياب الشفافية و"ثقافة التستر" على الانتهاكات.

ومع تسارع التحقيقات وارتفاع الأصوات المطالبة بالمحاسبة، يبدو واضحاً أن ما بعد سيدز لن يشبه ما قبلها، وأن هذه الواقعة قد تشكل نقطة تحول في تشريعات حماية الطفل داخل المؤسسات التعليمية.

فى البداية، وجه الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية بجامعة أسيوط سابقاً، وزير التربية والتعليم، الدكتور محمد عبد اللطيف، على قراره بوضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري لوزارة التربية والتعليم، بالإضافة إلى التحقيقات الموسعة حول الموضوع.

مؤكداً أنه من الضروري أن تضع المدارس الخاصة معايير لاختيار الموظفين والعمال، خاصة في مرحلة مثل مرحلة رياض الأطفال التي ينتمي إليها أغلب الطلبة المتضررين. لأن هذه المرحلة من المفترض أن يكون كل التعامل فيها نسائياً، ومن المفترض أصلاً أن تكون المعلمات والمشرفات في المدرسة و الحافلات جميعهن نساء.

وتابع: "لا ينبغي للرجال من العمال أن يتعاملوا مع هذه المرحلة السنية، لأن الطفل في هذه المرحلة يحتاج دائماً لأن يكون أقرب إلى العنصر الذي يشبه الأم. لأنه إذا خرج من المنزل، فهو يعتمد على والدته، ولن يُلبي ما يُطلب منه وهو ما يُفترض فيه من حماية ورعاية متوافراً في المدرسة، وبالتالي، يجب على المدارس أولاً أن تضع معايير صارمة لاختيار المعلمين والمعلمات والمشرفات في المرحلة السنية المبكرة".

- مرحلة تحتاج للإشراف النسائي

وأضاف "النجدي" أن هناك خطأ كبير من المدرسة بأنها لم تفصل أولاً ما بين مرحلة رياض الأطفال والمراحل السنية الأخرى. ويجب أن يكون هناك فاصل داخل المدرسة؛ أن يكون للروضة باب مستقل، وإدارة مستقلة، وكل ما يخص الروضة يكون مستقلاً تماماً عن بقية المراحل السنية الأكبر منهم، لأن هؤلاء أطفال في مرحلة سنية مبكرة يحتاجون إلى رعاية خاصة، وإشراف خاص، ويجب أن يكون الإشراف كله نسائياً في هذه المرحلة.

وعبّر "النجدي" عن استيائه من المدرسة لعدم تداركها خطورة  السماح بدخول عمال لأداء أعمال البناء أو الإصلاح أثناء اليوم الدراسي، وغياب الدور الرقابي  للمشرفين، عن القيام بدورهم وتوخي الحذر من  أشخاص  لا نعرف خلفياتهم  العلمية والسلوكية في المجتمع، وهو خطأ كبير تتحمل مسؤوليته المدرسة، ولا بد أن تحاسب عليه، ويجب مراجعة اختيارها لهذه النوعية من العمالة .

- غياب كاميرات المراقبة

ومن جانبه، أعرب محمد خليل، استشاري تربوي، عن استياءه من الواقعة المؤلمة التي تعرض لها الأطفال، وأثار عدد من التساؤلات عن غياب  الدور الرقابي للمدرسة، ولماذا يحدث التقاء بين الطلبة والعمال، فلماذا لم تقم المدرسة بمباشرة أعمال الصيانة وخلافة بعد إنتهاء اليوم الدراسي، وأين كاميرات المراقبة والمشرفين عليها؟. كما يدل على تقصير واضح وغياب الرقابة الإدارية داخل المدرسة .

- رأي الطب النفسي


أوضح الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي بالأكاديمية الطبية العسكرية، أن الآثار النفسية للتحرش الجنسي مدمرة على الأطفال، وهذه الصدمات لا تقتصر آثارها على مرحلة الطفولة فحسب، بل تمتد لتُشكل اضطرابات سلوكية ونفسية في مرحلة البلوغ.

وأشار إلى أن أغلب الحالات التي تعرضت للتحرش في صغرها، لا تظهر عليها الأعراض بشكل مباشر، بل تظهر كاضطرابات لاحقة في مرحلة الشباب والبلوغ وذلك من خلال ما يرويه البالغون في العيادات النفسية تتمثل في:

- اضطرابات غير مُفسرة: يأتي بالغون في أعمار تتراوح بين العشرين والخامسة والأربعين عاماً، يعانون من اضطرابات حادة في النوم أو مشكلات سلوكية غير مفهومة الأسباب، دون أي سجل مرصود لحدث صادم في حياتهم الحالية.

- كشف الذاكرة المكبوتة: يظهر ذلك خلال الجلسات النفسية، يبدأ المرضى في استذكار تعرضهم للتحرش في سن الطفولة من قِبل أقارب أو شخصيات سلطوية "مُدرس، شيخ، مُدرسة".

 - التحول نحو الانحراف: حذر "فرويز" من أن بعض الضحايا قد يتحولون مع الوقت إلى ممارسة السلوك السلبي الذي تعرضوا له، ليصبحوا هم أنفسهم في موقع المعتدي أو المستدرج، ما يؤدي إلى الانخراط في سلوكيات منحرفة ومشبوهة، مؤكداً أن ذلك يمثل حلقة مفرغة من المعاناة النفسية.

- استراتيجيات التعافي حسب الفئة العمرية

شدد استشاري الطب النفسي، على أن طريقة التعامل مع الصدمة تختلف حسب عمر الطفل ونوع التحرش، مؤكداً ضرورة المتابعة النفسية المتخصصة. موضحًا أن هناك كل حالة تختلف عن غيرها من حيث نوع الصدمة التي تعرض لها الطفل والفئة العمرية ، كذلك  الإجراء النفسي والاجتماعي المُقترح، ذاكراً على سبيل المثال إذا كان تحرش غير متوغل وعبارة عن ملامسات خارجية فهو في  جميع الأعمار لا يشكل معضلة كبرى وقد يتعايش معه الطفل، لكن يجب دعمه. أما إذا كان  تحرش عنيف أو متوغل حدث فيه "إيلاج أو عنف في  جميع الأعمار" يتطلب معاملة خاصة ودعماً مكثفاً ومستمراً يومياً لعدة أيام، بالإضافة إلى متابعة نفسية كاملة.

وتابع: "إذا حدث تحرش في سن مبكر أقل من 4 سنوات غالباً لن يتذكر الطفل شيئاً، ويجب دعم الذاكرة ونقاط القوة لديه ونسيان الموضوع وتأكيد أن ما حدث "غصب عنه".

- أهمية القصاص في التعافي

أشار الطبيب إلى أن رؤية الطفل للمُعتدي وهو يُعاقب أو يقف خلف القضبان لها أثر علاجي قوي في تخفيف الضغط النفسي، حيث يشعر الطفل باسترداد جزء من حقه وسلطته المفقودة.
وأكد "فرويز"، على ضرورة التوجه للطبيب إذا ظهرت العلامات التالية على الطفل، حتى لو لم تعرف الأم شيئاً عن تعرضه للتحرش:


 
* اضطرابات النوم: عدم القدرة على النوم ليلاً.

* تغيرات سلوكية: اضطراب في السلوك، أو سيطرة خوف جديد وشحوب في الوجه.

* تدهور أكاديمي: كره المدرسة أو المذاكرة، أو عدم القدرة على إنهاء المهام.

* تغير في الأكل: شهية خفيفة مع شحوب واضح.

وقدّم استشاري الطب النفسي، مجموعة من النصائح الهامة للأمهات لمراقبة أطفالهن واكتشاف أي مؤشرات خطر مبكرة، فهناك علامات تشير إلى أن الطفل قد تعرض لشيء ما مثل:
 
*الخوف من الأماكن/الأشخاص: يبدأ الطفل في رفض زيارة مكان معين (مثل بيت خاله أو عمه) أو يرفض البقاء منفرداً مع شخص معين، وقد يتمسك بقوة بأمه ويبكي عند محاولة اصطحابه.

* التلكؤ ورفض المدرسة: اختلاق الأعذار الجسدية (بطني، أذني واجعاني) لرفض الذهاب إلى المدرسة، أو كره مفاجئ للمكان أو الدراسة رغم الانتظام السابق.

* التغير المفاجئ في الروتين: تحول مفاجئ في نمط النوم أو الأكل يدل على أن هناك مشكلة نفسية أو جسدية ما، حتى لو لم تكن بسبب التحرش الجنسي.

- قواعد ذهبية للوقاية يجب تعليمها للأطفال

طالب "فرويز" بضرورة تلقين الأطفال قواعد "الجسد الآمن" منذ الصغر، مشدداً علي  المدارس والأسر بضرورة تعليم الطفل ما يلي:
 
* لا تذهب إلى المرحاض "دورة المياه" وحدك.

* لا يدخل أحد معك المرحاض أبداً.

* لا أحد يقبّلك من فمك أو يجلسك على حجره.

* لا أحد يقول لك اخلع ملابسك لأرى جسدك.

وشدد على أن كره الطفل المفاجئ لمكان كان يذهب إليه بانتظام كـ"الحضانة أو المدرسة"، يشير إلى وجود مشكلة في هذا المكان، ويجب التحقيق فيها فوراً.

من جانبها، أشارت إيمان عبدالله استشاري العلاج الأسري النفسي، أن سلسلة الحوادث الأخيرة المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال داخل المؤسسات التعليمية أو على أيدي موظفيها أثارت موجة واسعة من الغضب والقلق الشديد بشأن سلامة "البيت الثاني" للأطفال، وهو المدرسة، وتكرار هذه الوقائع يكشف عن تقصير جسيم في منظومة الحماية والأمان داخل هذه البيئات.

- أسباب أزمة الأمان في المدارس

ترى استشاري الطب النفسي، أن الأزمة تتجذر في عدة محاور أساسية، أبرزها ضعف معايير التوظيف والرقابة وغياب الاختبارات النفسية والأخلاقية الصارمة للموظفين "المعلمين، الإداريين، السائقين، العمال، الحراس". مؤكدة أن استغلال المعتدين لمواقعهم والسلطة التي يمثلونها مثل "السائق أو الفراش" على الطفل، الذي يميل بطبعه إلى الثقة في الكبار ولا يملك القدرة على المقاومة أو الرفض.

- ثقافة الصمت والتستر

توضح استشاري العلاج الأسري النفسي، أن خوف المدارس على سمعتها يدفعها في كثير من الأحيان إلى التكتم على الحالات المرصودة، مما يؤدي إلى تفاقم المشكلة بشكل سري، كذلك تهديد الطفل بالعقاب أو ترويعه يجعله يخشى الإفصاح عما تعرض له، لاسيما في ظل غياب "الثقافة الجنسية" الوقائية في المنزل والمدرسة.

وأشارت إلى أن غياب الإشراف الكامل والمدروس من قبل المشرفين ومديرة المدرسة. والافتقار إلى ضوابط صارمة في الأماكن "الخطرة" مثل دورات المياه والأماكن المعزولة، وغياب كاميرات المراقبة في المداخل والمخارج.

- فقدان الضمير والانحراف

ونوهت إلى أن مرتكبي هذه الاعتداءات يتمتعون بـ "انقطاع في الضمير والأخلاق" ولديهم ميول انحرافية كامنة. هذه الميول تخرج في صورة عنف نفسي مغلف بسلوك جنسي، وهي ناتجة غالبًا عن: اضطرابات في النمو النفسيو تعرضهم لمواقف غير لائقة أو عنف منزلي في طفولتهم، كما أن الاعتداء على الأطفال يمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة والسيطرة غير المتوفرة لهم في تفاعلاتهم مع البالغين، ويعاني بعضهم من قلة الضبط الذاتي وقد يتورطون في تعاطي مواد مخدرة، مما يشكل خطرًا مضاعفًا على الأطفال.

- مطالب عاجلة للجهات المسؤولة

وطالبت بضرورة اتخاذ إجراءات فورية وصارمة لضمان سلامة الأطفال، تشمل:

* تشديد معايير التعيين: إلزام المؤسسات التعليمية بإجراء فحص نفسي واختبارات سلوكية لكافة العاملين.

* تفعيل الرقابة الشاملة: وضع نظام رقابة وإشراف كامل في جميع أجزاء المدرسة، خاصة الأماكن المعزولة.

* كسر ثقافة الصمت: تثقيف الأطفال والأسر بآليات الدفاع عن النفس والإبلاغ عن أي اعتداء، وتقديم الدعم النفسي اللازم للضحايا.

- مطالبات بالتحقيق والإجراءات الرادعة

وفي سياق التعليق على هذه الواقعة، شددت النائبة جيهان البيومي، عضو لجنة التعليم بمجلس النواب وأستاذ بجامعة حلوان، على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وحاسمة. وشددت على ضرورة أن تبدأ وزارة التربية والتعليم تحقيقًا فوريًا وعاجلًا في ملابسات الواقعة.
وإجراء فحوصات تربوية ونفسية دقيقة، بالإضافة إلى تحليل المخدرات لجميع العاملين في المدارس التي تتعامل مع الأطفال، سواء كانت تابعة لوزارة التربية والتعليم أو لأي جهة حكومية أخرى.

وطالبت الوزارة باتخاذ إجراءات قانونية رادعة تجاه المدارس التي يثبت فيها حدوث أي مخالفات لقيم المجتمع وتقاليده. كما أعربت عن استغرابها من كيفية حدوث مثل هذه الواقعة في مدرسة دولية بمثل هذا الحجم، والتي تفرض رسومًا ومصروفات باهظة، مشيرة إلى خلل واضح في دقة اختيار العمالة بالمدرسة.

وفيما يخص مسؤولية الرقابة على المدارس الدولية والخاصة، أوضحت النائبة أن اللوم لا يقع بالكامل على وزارة التربية والتعليم وحدها، والتي تتولى الإشراف على جميع المدارس "حكومية، وخاصة، ودولية" على مستوى الدولة، بل يجب تحميل جزء كبير من المسؤولية على الإدارة التعليمية التابعة للمدرسة، والتي يجب أن تقوم بإجراء اختبارات دورية الكشف عن تعاطى المخدرات  للموظفين العاملين في المدارس، كما تقع مسؤولية كبيرة على إدارة المدرسة، مؤكدة على ضرورة محاسبة المسؤول عن إدارة هذه المدارس بشكل مباشر.

- دور مجلس النواب وتفعيل العقوبات

وفي إطار دورها الرقابي والتشريعي، أكدت النائبة جيهان البيومي، أن دورها في مجلس النواب يتمثل في متابعة ما تم اتخاذه من إجراءات قانونية تجاه هذه الحادثة، مشيرة إلى أنها تأتي في أعقاب حوادث سابقة هزت الرأي العام، مثل حادثة الطفل ياسين. وطالبت النائبة بضرورة تفعيل العقوبات الموجودة تجاه هذه المخالفات القانونية أو تغليظها لضمان تحقيق الردع المطلوب، مع التأكيد على أهمية المتابعة الدورية والمستمرة من قِبل وزارة التربية والتعليم والإدارة التعليمية، وضرورة اتخاذ إجراء قانوني ضد إدارة المدرسة ككل.