«الشتاء» .. الذى لا نعرفه !

سر العام الذى غاب فيه الصيف والشقيقات المتجمدات وزفاف قصر الجليد

شتاء جليدى بأوروبا
شتاء جليدى بأوروبا


فى كتابه «الشتاء: تاريخ وفلسفة.. الفصل الأكثر غموضًا»، يقدم الكاتب الألمانى «بيرند برونر» عملاً تأمليًا فريدًا يتجاوز الطقس ليغوص فى عمق التجربة الإنسانية مع فصل الشتاء، فلا يكتفى بوصف البرد والثلج، بل يحوّل الشتاء إلى كيان فلسفى وثقافى، يختبر فيه الإنسان حدود العزلة، التأمل، والموت الرمزي، ويرى «برونر» أن الشتاء هو أكثر من مجرد برودة أو غياب للضوء؛ إنه لحظة توقف، تأمل، وانسحاب من صخب الحياة. فى هذا السياق، يربط الشتاء بمفاهيم فلسفية مثل العزلة، الزوال، والانبعاث.

كما يناقش كيف أن الشتاء يكشف التفاوت الطبقي، حيث يصبح البرد اختبارًا للعدالة الاجتماعية.

الكتاب لا يطرح أطروحة واحدة، بل يفتح المجال لتعدد التأويلات. فهو يستعرض كيف تعاملت الثقافات المختلفة مع الشتاء: من الاحتفاء به فى الدول الاسكندينافية، إلى النفور منه فى المجتمعات الحارة. هذا التنوع يعكس قدرة الشتاء على أن يكون رمزًا متعدد الأوجه.. بل يعيد تقديمه كظاهرة ثقافية وفكرية أثرت فى الأدب والفن والفلسفة عبر العصور.
 

أنصحك عزيزى القارئ أن تستعد قبل الخوض فى صفحات الكتاب للاستعانة ببالطو وغطاء رأس من فراء ثقيل أو زلاجات جليد، فنحن لن نقرأ صفحات تقليدية بل هى رحلة إلى عالم البرودة حد التجمد، لكنها رحلة مثيرة ممتعة!. وبينما تتجمد أوروبا من الصقيع ويستعين بعض مواطنيها على الثلوج بممارسة رياضة التزحلق على الجليد فى غياب شمس دائمة الغياب إلا نذرا يسيرا من الزمن ..

يفر بعضهم الآخر إلى شمس الشرق الساطعة دائمة السطوع إلا قليلا، ظانين أنها هربت منهم إلى الشرق فوق أرضه المطمئنة وفى سمائه الهادئة ببياضها المختلط برمادية تضفى عليها جمالا أخاذا، وسبحان الخالق الأعظم،،
استغرقتنى تماما فكرة هذا الكتاب، وسيطرت على مشاعرى صفحاته، وسطوره، وأنا أطالعه فى منتصف سبتمبر، توقيت تودع فيه شواطئ مصر مصيفيها وعشاق فصلها الحار، وتحتار فيه البيوت، والشوارع، والمكاتب، وأماكن العمل بين صيف يتمسك بحلاوة الروح فينفث أنفاسه لا هى ملتهبة، ولا هى باردة، وبين خريف يغلبه الحياء من طرد الصيف تماما؛ وماتزال أجهزة التكييف تستهوى أمزجة الكثيرين، ومراوح التهوية تعمل بلا كلل، والنوافذ حائرة بين نسمات متقطعة، ولفحات متنطعة لا تبغى الرحيل، وأنا فى كل ذلك لا يستهوينى غير نافذة بحرية تعلو سريرى هى كل زادى على الصيف إقبالا وإدبارا.

وبينما الدفء المائل إلى الحرارة هو الطقس الأغلب طوال سبتمبر هاهنا، وجدت الكتاب يأخذنى بصفحاته وسطوره إلى الانكماش والحاجة الافتراضية شبه الحقيقية إلى تدفئة من ذلك الجو البارد قارس البرودة، بل من كرات الثلج وأرضيات الجليد التى وضعتنى صفحات الكتاب بينها أعانى السير فيها طوال مطالعتى له! لذلك فما كدت أقلب صفحاته الأولى حتى تذكرت سطورا قرأتها منسوبة للشيخ عياد الطنطاوى الأزهرى ابن قرية «نجريج» الذى سبق مو صلاح للعالمية فى الغرب كتبها سنة 1845 حين حطت به رحال بعثته الأزهرية فى روسيا، تقول السطور: وأما مِن قِبل البرد فلم يضرّنى جدا، إنما ألزمنى ربط منديل فى العُنق، ولبس فروة إذا خرجتُ، وأما فى البيت فالمدافئ المتينة مُعدّة لإدفاء الأوَض، وطالما أنشدتُ عند جلوسى قُرب النار: النارُ فاكهةُ الشتاء فمَن يُرِد * أكلَ الفواكهِ فى الشتاء فليصطَلِ»!

ولعل من أبرز نقاط قوة الكتاب هو استعراضه للشتاء فى الفن والأدب. لوحات الثلج الهولندية، قصائد الكآبة، وروايات الشتاء الروسية، كلها تشكل فسيفساء جمالية تعكس كيف ألهم الشتاء الخيال الإنساني. برونر لا يكتفى بالعرض، بل يحلل كيف أن هذه الأعمال تعكس رؤية الإنسان للزمن، الطبيعة، والموت.
ويطالعنا بسطور أخرى أشد إيلاما من برد روسيا كتبها الأديب الروسى «إيفانتورجينيف» إلى الأديب الفرنسى «جوستاف فلوبير» تحديدا يوم 20 فبراير 1870 من فندق بمدينة فايمارالألمانية، تقول الرسالة: «أنا هنا منذ قرابة عشرة أيام ـ ولا يشغلنى سوى أن يصير جسدى دافئا. المنازل هنا مبنية بطريقة سيئة والمواقد الحديدية عديمة النفع».

صعب المراس!

لقد وجدتنى بالفعل أمام كتاب صعب المراس فى حاجة لمعاملة خاصة وهو يقدم دراسة شاملة متنوعة عن الشتاء فى الأساطير الشعبية، وكيف ألهم هذا الموسم العديد من الفنانين والأدباء، بالإضافة إلى تأثيره العميق على حياتنا الاجتماعية والنفسية، هو ليس مجرد دراسة علمية عن الطقس، بل هو تأمل فى معنى الشتاء فى حياتنا، وكيف يعكس التناقض بين الظلام والضوء، بين العزلة والتجدد.

الشتاء النموذجى

إن تباين فصل الشتاء بين أركان المعمورة بتفاصيله المتدرجة من مجرد انخفاض لدرجات الحرارة إلى تجمد لمظاهر الحياة ـ هذا التباين ألح على طرح سؤال يحمل بعدا تأمليا، واضطر المؤلف أن يتساءل: هل الشتاء هو الفصل الأسوأ فى العام؟ وهل هناك ما يسمى بالشتاء النموذجى؟. ويجيب عن تساؤله بنفسه بأن الشتاء يُعد وقت الغياب الذى يتكرر بانتظام غياب الدفء والضوء. وأوراق الأشجار والزهور، وغياب العديد من الطيور والكائنات الحية الأخرى التى تنعزل فى مخابئها ـ كل ذلك لا يفلت منه سوى عدد قليل فقط من الغربان وطيور نقار الخشب لا يكترث بالشتاء.

وكما يستفيض المؤلف فى الشرح فإن سؤال «ما المقصود بالشتاء؟ «يمتلئ بمعان مختلفة باختلاف مكان الإجابة عن هذا السؤال على وجه الأرض؛ فكل البلاد التى تقع خارج نطاق المناطق الاستوائية تعرف الشتاء، ولكنه يكشف عن نفسه فى كل منطقة مناخية بطريقة مختلفة قليلا؛ ففى الشمال، سواء فى الدول الاسكندنافية أو سيبيريا أو ألاسكا أو كندا، يتجلى الشتاء بأكبر درجة من القتامة، على الرغم من جميع الاختلافات وخصائص الجغرافيا المميزة والأنماط المناخية. يستمر الثلج فى التساقط لمدة تتراوح من أربعة إلى خمسة أشهر، وتكاد تكون الأشجار أيضًا محملة بالثلوج على أغصانها وأوراقها. وربما يظن البعض من مسافة بعيدة أنها شموع ضخمة ذات شكل غير منتظم، سقطت من عليها المادة الشمعية. تبدو المناظر الطبيعية أكثر اتساقًا عندما نستمر فى المضى نحو الشمال؛ إذ تكون الأشجار والشجيرات أقل ارتفاعًا. هنا الشتاء هو القوة الحاسمة؛ فيجبر الحيوانات والنباتات على اللجوء إلى كل الطرق الممكنة للتكيف معه.

بين الشتاء والصيف

ويتعرض المؤلف لقضية اختلاف مفهوم الشتاء والصيف وشكل تواجد الربيع والخريف من منطقة لأخرى فى العالم،فى رأيه أننا إذا تعامنا مع الخريف والربيع على أنهما فصلان انتقاليان فى العالم فإن الصيف والشتاء يعدان الفصلين الأساسيين؛حيث تتناول قصة الخلق النهار والليل والبرد والحرارة والصيف والشتاء، ومنها نكتشف أنه قد تطور تقسيم العام إلى ثلاث وأربع فترات منفصلة عن بعضها البعض أثناء العصر الرومانى القديم، حيث ارتبط ذلك التقسيم بمتطلبات الزراعة فتقسيم السنة إلى أجزاء يرتبط بعدم القدرة على التحكم فيها لزيادة إمكانية التخطيط للمهام المطروحة وليس بوسعنا سوى أن نفترض فقط كيف تمكن هذا التصنيف بالضبط من فرض نفسه تاريخيا: إذ يمكننا أن نبحث عن ارتباط ذلك بالصفات الأربعة دافئ وبارد ورطب وجاف.

مائة خطوة راقصة

وبنظرة شتوية قطبية جمالية يتطرق المؤلف إلى تفاصيل خاصة قد لا يستشعرها إلا ساكنو المناطق القطبية والتى يغطيها الثلج فى أرجاء المعمورة، ويأخذ بأيدى من يعيشون فى المناطق ذات الشتاء المعتدل أو الدافئ بلا ثلج إلى هذه التفاصيل المثيرة.

ويسرد لنا كيف كان فيلسوف الطبيعة الأمريكى «هنرى ديفيد ثورو» معروفا بالبقاء فى مخارج كل يوم بعض النظر عن الطقس، وكما كتب فى مذكراته بتاريخ 30 يناير عام 1941، فإنه عندما كان يقتفى آثار الثعالب التى دارت فى مائة خطوة راقصة»، كان فى حالة ترقب شديد كما لو أنه يقتفى أثر هذه الغابات ذاتها واستحضر فى مقالته التى حملت عنوان «السير فى الشتاء» الصادرة عام 1843 كيف ينام فأر المرج فى النفق المريح فى الحقل، وتجلس البومة فى الشجرة المجوفة وتستقر الأرانب والسناجب والثعالب فى مخابئها الخاصة. كان «ثورو» يتجول من مطلع الفجر حتى الغسق فى المنطقة المحيطة بمنزله، ويذكر أن الآثار، التى خلفتها الثعالب، أو ثعالب الماء، للتو فى الحديقة، تذكرنا بأن كل ساعة من ساعات الليل ثرية بالأحداث وأن الطبيعة فى أصلها لا تزال ذات فاعلية وتطبع آثارها فى الثلج»..

عدو للحياة؟!

سؤال مثير عن الشتاء بطبيعته القاتمة وسمائه الملبدة غالبا بالغيوم أو الممطرة أحيانا بغزارة مخيفة أو بندرة أشبه بنحيب قليل الدموع. سطور من عندياتى تمهيدا لإجابة المؤلف عن سؤال: هل الشتاء عدو للحياة؟ وهو فى الواقع يقدم صورة غزيرة التفاصيل التى تنبئ بحياة صاخبة للشتاء عكس ما يقال عن عداوته للحياة. يبادر المؤلف فى كتابه بالإجابة بإسهاب: يوصف الشتاء فى كثير من الأحيان أنه معتم وعدو للحياة، إلا أنه يمكن أن يرتبط بلحظات من التجارب الفريدة؛ ومنها الهواء البارد الجليدى الذى يوخز وجهك كأنه إبر واللعب بالثلج بأيدٍ لا تتوافر لها وسائل حماية فيصبح التمييز بين الشعور بالبرودة والحرارة بشكل واضح مستحيلا، على الأقل للحظات. وكذلك الشعور بالإرهاق العميق بعد التزلج على الثلج لمسافة طويلة، عندما لا يفصل بين البرد والجسد المتعرق سوى بدلة رقيقة، عندما تظهر أنفاسك على شكل بخار وتنفخ سحابات بيضاء فى الهواء وتشعر بألم فى أذنيك. وأنت تتسلق الجبل، بعيدًا عن المنحدرات الممهدة، وأنت تستخدم زلاجات مغطاة بالفراء والتى لا يتعلق بها سوى الجزء الأمامى من قدميك فقط فى الأربطة، وتتزلج بعد تثبيت كعبيك بالزلاجات وسط الثلج العميق. وبينما ترتدى حذاء الثلج يمكنك أن تتنزه فى مستنقع متجمد، كنت لتغوص فيه لو كنت فى فصل الصيف..انتهت كلمات المؤلف ولا أجد تعليقا عليها سوى سؤال القارئ: مارأيك أنت فى هذه الصورة النابضة بالحياة عن شتاء لانعرف عنه سوى التجمد والصقيع؟!

الأكثر برودة

هل يمكننا بالفعل أن نتعرف على الشتاء الأقل حرارة أو بصيغة أخرى الأكثر برودة عبر التاريخ؟ سؤال تصعب الإجابة بكل تأكيد حتى لو اقتصر حديثنا على القرون القليلة الماضية، فكما يذكر المؤلف فإن درجات الحرارة المسجلة غير دقيقة وغير كاملة لدرجة تسمح بتقديم بيان دقيق حول أى فصل شتاء كان الأكثر برودة وفى أى منطقة يكون فصل الشتاء أكثر قسوة؟ فى جبال الألب أم فى «جرينلاند» أم فى «سيبيريا»؟

إن الملاحظات والبيانات ـ يقول المؤلف ـ تتجمع معا مثل الفسيفساء لتشكل صورة تقريبية. فخلال ثلاثة فصول شتاء فى ثلاثينيات القرن الخامس عشر، تجمد نهر الراين» بالقرب من مدينة «كولونيا» وتكونت فوقه طبقة من الجليد لدرجة أنه صار من السهل عبوره سيرًا على الأقدام أو على ظهور الخيل. كما أدى تقصير مدة مواسم الزراعة إلى حدوث أزمات زراعية ومجاعات. ولم يؤثر الجوع على البشر فحسب، بل كان على سكان الريف أن يحموا أنفسهم من الحيوانات البرية التى غادرت أماكنها المعتادة بسبب البرد القارس وسعت إلى الاقتراب من الحظائر والمنازل فصارت التقارير عن هجمات الذئاب والكلاب البرية أكثر شيوعًا. وكانت مراحل البرد مصحوبة دائمًا بالخوف من عدم القدرة على دفن الموتى على الفور لأن الأرض كانت حينها متجمدة.

لقد أدى نقص الغذاء خلال فصول الشتاء شديدة البرودة بين أعوام 1690 و1700 فى جميع أنحاء أوروبا إلى مقتل ملايين الأشخاص. ويعتبر شتاء 1708-1709، الذى اجتاح أوروبا من الدول الاسكندنافية إلى إيطاليا ومن تشيكوسلوفاكيا إلى فرنسا والمعروف فى بريطانيا بـ»الصقيع العظيم»، وفى فرنسا بـ «الشتاء العظيم»، واحدا من أسوأ فصول الشتاء فى التاريخ. ففى صباح يوم 6 يناير 1709، فوجئ الناس بدرجات حرارة تصل إلى حد التجمد استمرت لمدة ثلاثة أسابيع، قبل أن ترتفع لفترة وجيزة ثم تعاود الانخفاض مرة أخرى، وتظل فى هذا المستوى حتى منتصف مارس. عندئذ لم تتجمد البحيرات والأنهار فحسب، بل تشكلت طبقة من الجليد على البحر، وعانت جميع الكائنات الحية من درجات الحرارة المنخفضة؛ حيث تجمدت الحيوانات البرية حتى الموت ونفقت ملايين من الطيور الصغيرة، كما تجمدت أعراف الديوك وسقطت من رؤوسها، ويقال إن الأشجار ـ بما فيها أشجار البلوط ذات القدرة العالية على تحمل الظروف القاسية ـ قد تشققت حرفيا، كما ماتت أشجار الفاكهة والجوز والزيتون!

حتى الربيع أيضا!

ويمضى بنا المؤلف فى هذه الصورة البانورامية القاتمة لأشد فصول الشتاء برودة فى التاريخ، ليصل بنا إلى أكثر الفصول جمالا واستقبالا للحياة كما نعيشه فى الشرق، وفى كثير من أنحاء العالم على وجه العموم؛فغالباً ما كان للتأثير المتبادل بين فصول الشتاء شديدة البرودة وفصول السنة الأخرى ذات المناخ غير الملائم عواقب وخيمة. إذ لم تشهد الأعوام من 1584 إلى 1589 شتاءً طويلاً وقاسيًا بشدة فحسب، بل كان الربيع بها أيضا رطبًا ومائلاً إلى البرودة وكان الصيف ممطرًا وباردا. وهو ما لم يكد يتيح فرصة للنباتات النافعة لأن تنمو؛ فقد تعرضت المحاصيل الشتوية للتدمير وخرجت الغلال فى حالة هزيلة للغاية. وخلال القرن السابع عشر، تجمد «التايمز» فى إنجلترا ما لا يقل عن إحدى عشرة مرة، مما دفع الناس هناك إلى إقامة ما عُرف باسم «معارض الصقيع»، والتى كانت عبارة عن عروض ترفيهية شعبية مصحوبة ببعض الرقصات. تقول الأسطورة إن فكرة قلى البطاطس قد طرأت على أذهان الناس فى منطقة «فلاندرز» البلجيكية الأولية ترفيهية شعبية مصحوبة ببعض الرقصات لأول مرة قرابة عام 1650؛ وذلك بوصفها بديلًا للأسماك المقلية الصغيرة التى لم يهد متاحا للسكان وقتها أن يصطادوها بسبب تجمد نهر «الميز» فى بلجيكا.

غاب عنه الصيف!

الرصد التاريخى الممتع للشتاء عبر الكتاب يستطيع أن يأخذ بتركيز القارئ واسترساله مع حكايات البرودة الشديدة التى سردنا بعضا مما ذكره الكتاب، لكن من الوقائع التاريخية النادرة المتصلة بالحرارة والبرودة فى الطقس أن يرصد الكتاب واقعة تاريخية غاب فيها فصل الصيف تماما!

نعم فى أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن هناك ـ طبقا للكتاب ـ صيف. لا أحد يستطيع أن يتذكر أن شيئًا كهذا قد حدث من قبل. ففى يوليو عام 1816، وقعت أجزاء من أوروبا تحت غطاء من الثلج. وكان الحال كذلك فى أمريكا الشمالية؛ إذ حل هناك ربيع قصير وأعقبه شتاء فى منتصف الصيف كما تساقطت الثلوج على الساحل الشرقى الأمريكى وأدى هطول الأمطار فى العديد من الأماكن إلى حدوث فيضانات ودمار ولم يعلن إلا فى وقت لاحق أن بركانا عرف باسم بركان «تامبورا»، فى إندونيسيا، وهو أحد أكبر الانفجارات البركانية منذ فترة طويلة، وقبل عدة أيام من الانفجار الفعلى وقع دوى اهتزازات فى الجبل الذى بلغ ارتفاعه أنذاك 4300 متر. استمر تأثير اندلاع البركان، الذى أغرق المنطقة المحيطة فى ظلام لأكثر من أسبوع وتسبب فى حدوث تسونامى ودمر كل مظاهر الحياة فى جزيرة «سومياوا»، بينما شعر به الناس فى بقاع أخرى من العالم بعد فترة زمنية طويلة. اختل المناخ فى كل مكان إذ انقطع إيقاع الرياح الموسمية، وشهدت أماكن عديدة فى قارة آسيا مجاعات وتفشت فيها الأمراض. وبالإضافة إلى العواقب البيئية والاقتصادية والاجتماعية، كانت هناك عواقب أخرى، وإن كانت أقل وضوحاً فقد اضطر العديد من الأوروبيين فى هذا العام إلى قضاء الصيف بجوار النار، ولم يعد الوضع إلى طبيعته إلا عام 1818 عندما صار من الممكن حصاد المحاصيل الزراعة الطبيعية مرة . فى وقت لاحق صار الناس يتحدثون عن عام 1816 باعتباره عاما بلا صيف!

تجمد الشقيقات!

وإلى أشد مظاهر الشتاء ينتقل بنا المؤلف لحكايات مثيرة؛ فلطالما وردت حكايات عن أشخاص فقدوا اتجاهاتهم وتجمدوا حتى الموت فى الطبيعة الشتوية. ومن الأمثلة المؤلمة بشكل خاص قصة الشقيقات الثلاثة من قرية «لا بانو» فى جنوب غرب فرنسا، اللواتى كن فى حالة معنوية جيدة فى طريق عودتهن من حفلة راقصة عندما فوجئن بعاصفة ثلجية على مرتفع عال وسرعان ما وجدن أنفسهن متدثرات «فى كفن سميك من الثلج». ويقال إنه عُثرَ عليهن وهن يعانقن بعضهن البعض، وعُثر أيضًا على كلبتهن عند أقدامهن متجمدة حتى الموت. وفى سبيل تخليد ذكراهن، أُطلق على الممر اسم «ممر الشقيقات الثلاث».
الزفاف بأمر الامبراطورة المستبدة!

وتتوالى القصص التاريخية للشتاء الجليدى فى إطار غاية فى الإثارة، يرويها المؤلف فى كتابه. ومن أكثرها غرابة تلك القصة؛ فعلى حديقة مغطاة بالثلوج لشتاء عامى 1739-1740، والذى كان أحد أبرد فصول الشتاء فى العصر الجليدى الصغير، أصدرت الإمبراطورة الروسية المستبدة «أنا إيفانوفنا» أمرًا ببناء قصر من جليد نهر «نيفا». تمثلت وظيفة القصر الأساسية فى البداية فى صرف انتباه رعاياها عن البرودة الفظيعة وسلسلة من عمليات الإعدام، ولكنه تحول بعد ذلك إلى مكان لإقامة حفل زفاف لا ينسى. حيث اعترى الإمبراطورة شعور عارم بالغضب من تحول أحد أمرائها إلى اعتناق المذهب الكاثوليكى لدرجة أنها أجبرته على الزواج من خادمة قبيحة، واضطر بعد ذلك إلى قضاء ليلته الأولى معها فى القصر الجليدى ذاته على سرير جليدي، كان مصنوعًا فى كل تفاصيله-المرتبة والغطاء والوسادات وقبعة النوم-بشكل فنى من هذه المادة الثلجية. وقبل ذلك كان العروسان قد أحضرا إلى هناك فى قفص مثبت على ظهر أحد الفيلة، بينما رافقهما موكب كامل من راكبى الجمال والخيول بالإضافة إلى الزلاجات التى تجرها ذئاب وخنازير.

الشتاء فى لوحة

ونصل مع المؤلف إلى إلهام الشتاء للفنانين فى تناوله بريشة الرسامين، ويقول إن تصوير فصل الشتاء بطرق فنية يمثل نافذة تمنحنا إطلالة على وقت آخر وتقدم لمن يتأملها أدلة حول كيفية تعامل الناس مع موسم البرد فى الماضى؛ فترجع أول صور تعرض فصل الشتاء، إلى أوائل القرن الخامس عشر. حيث تظهر صورة شهر فبراير فى كتاب «ساعات دوق بيرى الغنية» التى أبدعها الأخوان «ليمبورج» قاطعو الأخشاب فى الثلج، وأغنام تقترب من بعضها البعض فى الحظيرة بسبب البرد، وطيور تلتقط الحبوب بمنقارها فى الثلج، وخلايا النحل المغطاة بالثلوج مشهد شتوى بالمعنى الحرفى للكلمة. بينما يتمتع المنزل بتدفئة جيدة من المدفأة لدرجة أن من يقيمون بداخله، يمكثون فيه بدون ملابس بعض الشيء.

وخلال القرون التالية، ظلت صور الشتاء فى البداية ظاهرة هامشية فى الفن ولم يظهر التقدير الجمالى الأكبر للمناظر الطبيعية الثلجية والجبلية إلا مع ظهور الحركة الرومانسية فى القرن التاسع عشر : حيث فتحت تلك الحركة أعين الكتاب والرسامين والموسيقيين على عوالم كانت موصدة إلى حد كبير فى السابق. فحتى ذلك الحين، كان الجليد والأنهار الجليدية بمثابة أمور يجب تجنبها تحت أى ظرف من الظروف. فقد بنيت المنازل المطلة على بحيرة «جنيف» فى القرن الثامن عشر بطريقة تحجب رؤية جبال «سافوياردي». وعلى كل حال، لم يكن أحد يسافر عبر الجبال فى فصل الشتاء إلا إذا كان ذلك أمرًا لا مفر منه، على سبيل المثال الحجاج والتجار والمهربون أيضًا، وخلافا لذلك كان الناس يتجنبون السفر عبر الجبال لما فيه من مخاطر.

أصل الزلاجات

ولأن الزلاجات الجليدية تعتبر أشهر صور التعبير عن بيئات تعانى صعوبة التحرك عبر الجليد، فقد حاول المؤلف العودة إلى أصل ظهور الزلاجة ليذكر أنه ربما يرجع أصل أول زلاجات إلى شمال شرق أوروبا. فبالقرب من بحيرة «سيندور» فى شمال روسيا، تم العثور على زلاجات تعود إلى قرابة عام 6300 قبل الميلاد ـ أى منذ حوالى 8500 عام ـ فى أحد مستنقعات الخث، وكانت تحمل فى الجزء السفلى الأمامى منها صورة منحوتة لرأس آيل من شأنها أن تمنع المتزلج من الانزلاق إلى الخلف. كما عُثر فى مستنقع بالقرب من منطقة «هوتنج» فى شمال السويد على لوح تزلج طوله مائة وعشرة سنتيمترات وعرضه عشرة سنتيمترات ويعود تاريخه إلى عام 5200 قبل الميلاد. تعود أول رسوم توضيحية إلى وقت لاحق على ذلك بكثير حيث نجدها لدى السويدى «أولاوسماجنوس» وكذلك بعد أقل من مائة عام تقريبا على الرسوم التوضيحية العديدة التى رسمها الرسام السويدى «جوهانسشيفيروس» (1621-1679) فى كتاب «لابونيا». لا تظهر فى تلك الرسومات زلاجة صغيرة، يجرها حيوان الرنة ويجلس فيها شخص فحسب، بل أيضا رجل ومعه زلاجات، تبدو كبيرة الحجم بشكل أكبر من المعتاد، وقوس وسهم.

متعة خاصة

بقية فسيفساء هذا الكتاب لم تسعفنى المساحة لتناولها والغوص فيها والتزلج بها، لكننى أدعوك أيها القارئ العزيز لقراءة الكتاب بنفسك لتتذوق كما تذوقت أنا متعة ذات طعم خاص يقدمها لنا المؤلف «بيرند برونر» وهو يصطحبنا فى رحلة فكرية عميقة لاستكشاف فصل الشتاء من جوانب متعددة، بدءًا من الأساطير والفلكلور إلى الأدب والفن، وصولاً إلى التأثيرات العلمية والبيئية لهذا الفصل البارد. من خلال دراسة متأنية، يكشف «برونر» كيف أن الشتاء ليس مجرد فصل بل هو قوة غامضة.