محمد قناوي يكتب : «بنات الباشا».. محاولة سينمائية تتعثر في منتصف الطريق

محمد قناوي
محمد قناوي



يأتي فيلم «بنات الباشا»  المشارك في مسابقة آفاق السينما العربية في الدورة 46 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي ، كعمل يطمح إلى تناول قضايا المرأة ، لكنه ينتهي إلى الكشف عن ارتباكه الداخلي أكثر من تقديم رؤية سينمائية متماسكة، فالفيلم يبدو مشغولًا بأطروحاته ورسائله أكثر من انشغاله بصناعة دراما حقيقية تنبض بالحياة، ما يجعل بنيته العامة مفككة، ورسالته مشوشة، وروحه الدرامية مضطربة.
المشكلة الأساسية تكمن في السيناريوالذي يطغى عليه الخطاب المباشر، فالقضايا تطرح كمنشورات جاهزة لا كحكايات متجذرة في شخصيات ذات عمق، الحوار تفسيري يشرح بدل أن يكشف، وينتج عنه افتقاد شبه كامل لتطور عضوي في البنية الدرامية، الأحداث تبدو مفروضة من الكاتب لا نابعة من دوافع الشخصيات، ما يجعل التحولات غير مقنعة، والانفجارات العاطفية بلا جذور.
يحاول الفيلم المستوحى من رواية نورا ناجي، أن يمزج بين الجريمة والغموض والتحليل النفسي لشخصيات نسائية، لكنه في النهاية يبدو أكثر اندفاعًا نحو الطموح منه إلى الاتقان السينمائي، الفيلم إخراج محمد العدل وسيناريو وحوار محمد هشام عبية، يستعرض مأساة مجتمع صغير من خلال مركز تجميل نسائي في طنطا، بعد تفجير كنيسة هز المدينة، ويمثل جثمان نادية العاملة في المركز نقطة الانطلاق للدراما.
الفيلم يعاني من تشتت في الحبكة، فكرة اكتشاف جثة نادية ومحاولات العاملات التعامل معها سرًا تحمل إمكانيات كبيرة للتوتر النفسي والدرامي، لكنها تُستنزف في حلقات متكررة من الحوارات والمشاهد التي تكاد تنزلق إلى التكرار، الأسلوب السردي يفتقر إلى التركيز، إذ تتداخل الخطوط الدرامية للشخصيات بشكل يجعل المشاهد أحيانًا ضائعًا بين صراعات الشخصيات وعلاقاتهن المتشابكة مع الباشا، الذي يصوَّر كرمز للسلطة القاسية والمتقلبة، لكن دون تعمق كافٍ في دوافعه أو تناقضاته الداخلية.
على مستوى الإخراج، تبدو رغبة المخرج محمد العدل واضحة في خلق عالم بصري يعكس الاختناق الذي تعيشه البطلات، لكن التنفيذ لا يرتقي إلى الطموح، الكاميرا تتحرك أحيانًا بلا مبرر، وتجمّل أحيانًا وقائع كان يجب أن تُقدّم بقسوتها. هناك لقطات جميلة بصريًا، لكنها تعمل ضد الحالة الدرامية وتحول المأساة الاجتماعية إلى صور مُنمّقة، أما إدارة الممثلين فتعاني تباينًا في مستويات الأداء يشير إلى غياب قيادة إخراجية محكمة.
الشخصيات الرئيسية، المفترض أن تكون قلب الفيلم، مكتوبة بسطحية تجعل دوافعها غير واضحة. المعاناة ظاهرة لكنها بلا جذور، والتحولات تأتي فجأة دون تمهيد، ما يجعل اللحظات المفصلية أقرب إلى أداء تمثيلي منها إلى تطور بشري حقيقي.
أما أداء الممثلين فجاء متنوعًا بين المقبول والمهدور، صابرين تملك حضورًا قويًا لكنه يتحول هنا إلى مبالغة درامية تفتقد للاتزان، زينة تعتمد على أدواتها المعتادة-الغضب، الصوت المرتفع، الانفعال السريع- لكن دون عمق جديد يمنح الشخصية وزنًا، أما ناهد السباعي تظهر حساسية ممثلة موهوبة، لكنها تتأرجح بين أداء داخلي جيد وبين لحظات مسرحية مبالغ فيها، ما يعكس عدم اتساق في توجيه الشخصية.
مريم الخشت تقدّم أداءً نظيفًا لكنه بلا أثر، نتيجة لسطحية كتابة الدور، أحمد مجدي يؤدي بانضباط وحرفية، لكنه محاصر بدور بلا ملامح ولا أهمية حقيقية في البناء الدرامي، في حين نري تارا عبود تملك حضورًا سينمائيًا واعدًا، إلا أن الدور لم يمنحها مساحة لاختبار قوتها، أما سوسن بدر، فخبرتها تمنح الشخصية وزنًا شكليًا، لكن كتابة الدور النمطية لم تساعدها في خلق عمق حقيقي، وحدها سماء إبراهيم تحقق توازنًا لافتًا، مقدّمة أداء صادقًا يعتمد على التفاصيل الدقيقة لا على الانفعال، لتصبح الأكثر صدقًا في الفيلم.
من الناحية البصرية، هناك لمسات إخراجية محلية في تصوير المركز، لكنها لا تنجح في خلق إيقاع بصري أو نفسي متسق مع تعقيد القصة، الموسيقى التصويرية والإضاءة تضيف أجواء توترية محدودة، لكنها غالبًا لا تتجاوز كونها خلفية خاملة للأحداث المتقطعة.
في المحصلة، "بنات الباشا" فيلم يطرح أفكارًا جريئة ويستحق الثناء على المحاولة في استكشاف صراعات النساء ضمن سياق اجتماعي متوتر، لكنه يتعثر في التنفيذ، الأداء التمثيلي المتفاوت، خصوصًا لدى أحمد مجدي، سوسن بدر، وسما إبراهيم، يعكس مشكلة النص والإخراج أكثر من قدرات الممثلين، ما يجعل التجربة السينمائية مُجهِدة أكثر من كونها مشوقة