سياسة ترامب المناهضة للذكاء الاصطناعي تُعرّض حياة المرضى في أمريكا للخطر

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة أرشيفية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة أرشيفية


أفادت مجلة «تايم» الأمريكية أن قرارًا تنفيذيًا وقّعه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في 23 يوليو/تموز أعاد إشعال جدل واسع داخل الأوساط العلمية والطبية، بعدما تبنّى نهجًا يحدّ من الاعتراف بالتحيزات العنصرية داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحكومية.

وبحسب المجلة، فإن هذا التوجه يحمل تبعات مباشرة على الأنظمة الطبية في الولايات المتحدة، خصوصًا بعد أن أثبتت دراسات سابقة أن بعض الخوارزميات تؤدي إلى قرارات علاجية غير دقيقة تؤثر بشكل غير متكافئ على المرضى من بعض الفئات.

ويخشى أطباء وخبراء بأمريكا أن يؤدي هذا القرار إلى تعطيل سنوات من العمل الهادف إلى إصلاح الخوارزميات غير المنصفة وتحسين الدقة الطبية، في وقت يتوسع فيه اعتماد المؤسسات الصحية على الذكاء الاصطناعي في التشخيص وفرز الحالات وتحديد أولويات الرعاية.

اقرأ أيضًا| شبكة نفوذ من واشنطن لتل أبيب.. الكونجرس ينشر وثائق تربط «إبستين» بنخب عالمية


أمر ترامب التنفيذي يثير الجدل

أوضحت مجلة «تايم»، أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب وقّع في 23 يوليو/تموز أمرًا تنفيذيًا شاملًا يحمل عنوان "قانون منع الذكاء الاصطناعي المستيقظ في الحكومة الفيدرالية".

واعتبرت المجلة أن القرار يمثل تصعيدًا جديدًا في الحرب الثقافية التي تخوضها الإدارة الأمريكية، إذ يسعى إلى حذف مفاهيم مثل التنوع والمساواة والشمول من وثائق الحكومة الفيدرالية، ويقوّض جهود معالجة العنصرية المنهجية داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وأكدت جهات طبية بالولايات المتحدة، أن تأثير الأمر لا يقتصر على المشهد السياسي فحسب، وإنما يمتد ليهدد حياة المرضى عبر تجميد مسار إصلاح الأنظمة الخوارزمية غير العادلة التي كانت تعمل عليها المؤسسات الصحية خلال السنوات الأخيرة.

وأكد متخصصون في المجال الطبي بالولايات المتحدة، وخصوصًا العاملين في ملف العدالة الصحية، أن هذا القرار خطوة قد تُعرض حياة المرضى الأمريكيين للخطر، وأوضح خبراء أن الأمر التنفيذي يهدد جهودًا استمرت لسنوات لتحديد وتصحيح التحيزات البنيوية التي أضرت تاريخيًا بالمجتمعات المهمشة في الولايات المتحدة، ولا سيما الأمريكيين أصحاب البشرة السمراء الذين يعانون من فجوات واسعة في جودة الرعاية الصحية.

وأفادت المجلة الأمريكية، بأن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسيًا في أنظمة المستشفيات الحديثة، إذ يُستخدم في فرز حالات الطوارئ، وتحديد الأولويات العلاجية، والتنبؤ بالمخاطر المرضية، لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الخوارزميات لا تعمل في فراغ، وإنما تُدرب على بيانات واقعية تعكس التفاوتات الموجودة في النظام الصحي الأمريكي، مما يعني أن نتائجها قد تكون غير محايدة.

 

دراسة كشفت تحيزًا خطيرًا حول حماية الدقة الطبية

كشفت المجلة العلمية بأمريكا «ساينس» في دراسة شهيرة عام 2019، أجراها باحثون من جامعتي كاليفورنيا بيركلي وشيكاجو، أن خوارزمية تجارية واسعة الانتشار لتحديد المرضى ذوي الحالة عالية الخطورة كانت تعتمد معيارًا غير معلن، وهو: «مقدار الأموال التي تم إنفاقها على علاج المريض سابقًا، بدلًا من الاحتياجات السريرية الفعلية7.

وأظهرت الدراسة أن المرضى من أصحاب البشرة السمراء ـــ الذين يحصلون عادةً على رعاية أقل حتى مع نفس الأعراض ـــ كانوا يُستبعدون فعليًا من قوائم الرعاية المتقدمة، وكان من المفترض أن تُحدد الخوارزمية 46.5% من المرضى من أصحاب البشرة السمراء كحالات تحتاج إلى رعاية إضافية، لكنها لم تُدرج سوى 17.7% منهم، ما أدى إلى فجوة كبيرة في وصولهم للعلاج.

وأوضحت تقارير طبية أن المشكلة لا تقتصر على هذه الخوارزمية، وتشمل معايير طبية أخرى ما زالت تُستخدم حتى الآن:

1- معادلات وظائف الكلى (GFR)، حيث تتضمن حساباتها "عامل تصحيح" للمرضى من أصحاب البشرة السمراء بناءً على افتراضات غير علمية حول كتلة العضلات، وأثبتت الأبحاث أن هذا التصحيح يرفع تقدير وظائف الكلى بشكل غير دقيق، ما أدى إلى اعتبار بعض المرضى غير مؤهلين لزرع الكلى أو تأخر إحالتهم إلى العلاج المتخصص.

2- اختبارات وظائف الرئة (PFTs)، حيث تستخدم تصحيحًا يعتمد على فكرة أن الأمريكان من أصحاب البشرة السمراء يمتلكون سعة رئوية أقل من غيرهم، ما يؤدي إلى تخفيض عتبات التشخيص ويُسهم في نقص اكتشاف أمراض الرئة لدى هذه الفئة.

وأكد الخبراء أن هذه الممارسات تعكس ترسخ أنماط عنصرية داخل الأنظمة الطبية تعمل "بهدوء وانتشار"، وتؤدي إلى نتائج قد تكون قاتلة، بحسب المجلة ذاتها.

اقرأ أيضًا| ترامب يلمّح لقراره بشأن فنزويلا بعد تعزيز الانتشار العسكري الأمريكي| فما القصة؟

 

قرار ترامب يهدد جهود الإصلاح

أفاد أطباء وباحثون في الولايات المتحدة، أن السنوات الأخيرة شهدت جهودًا جدية لإزالة التصحيحات المبنية على العرق من المعادلات الطبية، إضافةً إلى تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تراعي الإنصاف وتكشف الفوارق بدلًا من تعزيزها، وأكد الخبراء أن الهدف من هذا التوجه ليس "الاستيقاظ السياسي"، وإنما رفع مستوى الدقة الطبية وتحسين النتائج وإنقاذ الأرواح.

حذرت «تايم» من أن الأمر التنفيذي الجديد لترامب قد يوقف هذا التقدم، إذ يُقيّد الوكالات الفيدرالية عن تضمين مفاهيم الإنصاف أو العنصرية المنهجية في تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي، واعتبر باحثون أن القرار يجعل معالجة التحيزات عملًا "غير قانوني" فعليًا، ويُسكت علماء البيانات الذين يعملون على بناء نظام أكثر عدالة.

وأشار مؤيدو القرار إلى أنه يهدف إلى تعزيز "الحياد"، لكن خبراء الصحة يرون أن الحياد في نظام غير عادل يؤدي إلى تكريس التفاوتات بدلًا من حلها.


تأثيرات مباشرة على المرضى

أوضحت المجلة الأمريكية، أن الخطر ليس نظريًا، إذ تُظهر البيانات أن المرضى من أصحاب البشرة السمراء أقل حصولًا على مسكنات الألم، وأكثر عرضة للتشخيص الخاطئ والوفاة بأمراض يمكن الوقاية منها، ويمكن للذكاء الاصطناعي المتوازن أن يكشف هذه الفجوات مبكرًا، لكنه لن يفعل ذلك إذا مُنع الباحثون من برمجة أنظمة تراعي العدالة.

وأضافت المجلة أمثلة أخرى على التحيز التقني، منها:

- معدلات الخطأ المرتفعة في أنظمة التعرف على الوجوه لدى النساء وذوي البشرة الملونة.

- خوارزميات توظيف قللت تلقائيًا من تقييم السير الذاتية للنساء.

- أداة صحية خفّضت تقدير مخاطر أمراض القلب لدى النساء بسبب نقص تشخيص حالاتهن تاريخيًا.

وأكدت التقارير أن هذه النماذج تجعل التحيز البنيوي يتحول إلى قرار آلي دون تدقيق أو مراجعة.


محو مفاهيم التنوع من الذكاء الاصطناعي.. ماذا يعني؟

حذّرت المجلة، من أن إلغاء مفاهيم التنوع والإنصاف والشمول لا يعزز الحياد كما يُروّج البعض، بل يمثل "ذاكرة انتقائية" تحذف اللغة والأدوات اللازمة لتشخيص المشكلة.

وإذا جرى تجاهل الخلفيات التاريخية لعدم المساواة، فستُعاد كتابتها داخل الأنظمة التقنية نفسها، ما يُنتج أخطاءً جديدة على حساب الفئات الأكثر ضعفًا.

وخلص التقرير إلى أن الأمر التنفيذي لـ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب يُسيّس الذكاء الاصطناعي ويحوّله من أداة لتحسين الرعاية الصحية إلى سلاح في معركة سياسية.

وبحسب خبراء، فإن ملايين الأمريكيين الذين لا تراهم الأنظمة الطبية والقانونية بشكل كافٍ قد يدفعون ثمن هذه السياسات عبر تدهور جودة الرعاية الطبية أو ضياع فرص العلاج.

اقرأ أيضًا| بعد أشهر من المفاوضات.. واشنطن وسيول توافقان على اتفاق تجاري وأمني شامل