هى قصة قصيرة مثيرة، ليس للإعجاب إنما لإثارة الذهن لكيفية حكم هذا العالم بمزيج من القوة والتضليل والبلطجة أيضا
الحكاية كما تابعها العالم أن هيئة الإذاعة البريطانية تعرضت لانتقادات لاذعة حول برنامجها «بانوراما»، الذى بُث فى أكتوبر 2024 وفيه حُرفت كلمة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لتوحى بأنه يدعو إلى اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكى.. وأدت هذه الفضيحة إلى استقالة الرئيس التنفيذى لهيئة الإذاعة البريطانية تيم ديفي، ورئيسة قسم البث الإخبارى ديبورا تورنيس، بينما طالب محامو الرئيس الأمريكى هيئة الإذاعة البريطانية بحذف البرنامج بحلول اليوم 14 نوفمبر، مهددين برفع دعوى قضائية بقيمة مليار دولار ضد الهيئة.
هكذا كانت الحكاية المثيرة فى سطور، لكن السؤال:
هل كانت بى بى سى ترتكب أول جريمة مهنية لها وهى تزور هذا الفيديو لترامب؟ بل هل كانت استقالة مسئوليها انتصارًا لنزاهة الإعلام وقداسة المهنة؟.. وهل كانت تلك الفضيحة الأولى من نوعها عالميًا التى تم خلالها تزوير فيديو أو تصريحات لمسئولين أو قادة رأى أو حتى نجوم مجتمع بشكل يسبب إضرارًا بهم أو إضرارًا بقضايا تهم العالم أو قطاعًا منه؟
الواقع أن الإجابات عن تلك الأسئلة تصب كلها فى خانة النفى؛ فالمؤكد أننا تعرضنا كثيرًا لمثل تلك المغالطات والتزييفات لتصريحات أو حتى مشاهد تخدم على قضية لصالح أخرى بالسلب أو بالإيجاب. لكننا نستطيع أن نستشف أن تلك الحوادث كانت غالبًا تصب فى مصلحة الكبار عالميًا، أو فى قضايا تساندها أمريكا والعالم الغربى مثل قضية فلسطين وقضايا الشرق الأوسط عمومًا التى تخضع كثيرًا لمثل هذا التزييف، لكنها تخضع فى ذات الوقت لما يمكن لنا وصفه بحكومة العالم الخفية التى تعطى الضوء الأخضر لما تريد فرضه هنا أو هناك، أو تريد نقضه ومحوه من أفهام العالم.
البى بى سى أخطأت مهنيًا، نعم لاشك فى ذلك؛ لكن العبرة أنها أخطأت فى حق ترامب ومن ثم أمريكا.
بى بى سى.. بابا ترامب.. حاكم ماما أمريكا.. حاكمة العالم؛ هى قصة قصيرة مثيرة، ليس للإعجاب إنما لإثارة الذهن لكيفية حكم هذا العالم بمزيج من القوة والتضليل والبلطجة أيضا.
لعنة الذكاء الاصطناعى
كانت القنبلة النووية التى ألقتها الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتى هيروشيما وناجازاكى فى اليابان عام ١٩٤٥ ذات أثر كبير على العلاقات الدولية، وكانت نقطة تحول فى ميزان القوى الدولي. ويبدو العالم حاليا على أعتاب لحظة تحول جديدة تقودها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. ويتغير معه المفهوم التقليدى للقوة وأدوات ممارستها فى العلاقات الدولية والمفاهيم التقليدية المرتبطة بها مثل الردع، وتوازن القوى، وبدأ النظام الدولى يتشكل من جديد مدفوعًا بهذه القوة الجديدة. خاصة أن القوة التدميرية للذكاء الاصطناعى تأخذ أشكالًا ومستويات متعددة وبالتالى فإنه يمكن التحكم فيها ويسهل استخدامها. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش فى يوليو ٢٠٢٣ خطر الذكاء الاصطناعى بأنه أشبه بخطر الحرب النووية، داعيًا لإنشاء هيئة تابعة للأمم المتحدة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذا على مستوى الدول، أما على مستوى الأفراد فالخطير أن جميع التفاعلات البشرية أصبحت معتمدة بصورة رئيسية على تطبيقات الذكاء الاصطناعى، وذلك بدأ يفرز مواطنين جددا داخل عوالم افتراضية لا متناهية، لهم قوانينهم وقيمهم المختلفة التى قد تكون بعيدة تمامًا عن سيطرة الدول.
الأخطر هو ما كشفته أروقة المحاكم الأمريكية والكندية من خلال سبع قضايا وضعت شركات الذكاء الاصطناعى فى خضم عاصفة غير مسبوقة، وقد تستمر لأنها تمس حياة الناس وتحمل اتهامًا خطيرًا: المسئولية عن حالات انتحار وانهيارات نفسية لمراهقين وشباب تفاعلوا مع روبوت الدردشة شات جى بى تى، وهى تتهم الروبوت بأنه تجاوز حدود دوره كأداة، حيث تدخل فى قرار المستخدمين بتقديم نصائح تفصيلية للانتحار، بل إنه صاغ رسائل وداع بأسلوب مؤثر وصادم. وهو ما يصفه الخبراء السيبرانيون بـ»الاعتماد العاطفى السيبرانى»، حيث يتعامل المستخدمون، وخاصة اليافعين، مع التطبيق كـ»كيان واعٍ وصديق حقيقى» يقود إلى انعزال نفسى ويسهم فى اضطرابات سلوكية خطيرة، مما يضع مفهوم المسئولية الأخلاقية للتقنية أمام أول اختبار قضائى حقيقى فى العالم، خاصة مع طرح نماذج جديدة دون ضوابط سلامة كافية. ولا بد من التساؤل: إلى أين يقود الذكاء الاصطناعى البشرية؟

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







