في الوقت الذي تصرّ فيه واشنطن على أن ضرباتها الجوية في الصيف الماضي «سحقت» قدرة إيران النووية، تتكاثر الشكوك حول ما إذا كانت تلك العملية قد حققت فعلًا أهدافها الاستراتيجية.
فبعد مرور أشهر على الهجوم، تتزايد المؤشرات على أن طهران لم تُجبر على التراجع، لكن ربما أعادت ترتيب أوراقها في الخفاء استعدادًا لجولة جديدة من الصراع مع إسرائيل، وسط جمود دبلوماسي دولي وانهيار فعلي للاتفاق النووي الموقع عام 2015.
وبدأ الحديث عن «انتصار أمريكي حاسم» يتراجع في الدوائر الإقليمية، لتحلّ مكانه تساؤلات حذرة حول مدى دقة الرواية الأمريكية، وحول ما يجري فعليًا في موقع «جبل الفأس» الذي تحول إلى رمز للغموض النووي الإيراني.
اقرأ أيضًا| من ضربات إيران إلى فنزويلا.. هل يعيد ترامب أمريكا إلى حروبها القديمة؟
انتهاء الاتفاق النووي وعودة العقوبات المشددة
#إيران تجهّز ألفي صاروخ تحت جبل الفأس.. و #إسرائيل تستعد للحسم قبل امتلاكها السلاح النووي#القاهرة_الإخبارية pic.twitter.com/Fs4AmBlgQt
— القاهرة الإخبارية - AlQahera News (@Alqaheranewstv) November 9, 2025
مع انقضاء صلاحية الاتفاق النووي في الشهر الماضي، عادت العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة على طهران بكامل قوتها، وتوقفت المفاوضات السياسية، وتعطلت القنوات الخلفية التي كانت تُبقي الحوار قائمًا ولو شكليًا، فيما تشير تقارير استخباراتية إلى أن إيران تمتلك الآن ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لصنع 11 سلاحًا نوويًا ـــ وهي كمية تُعد من أكثر المؤشرات إثارة للقلق منذ سنوات.
إلا أن مصير هذا المخزون لا يزال موضع جدل، فبينما تؤكد طهران أن جزءًا كبيرًا منه دُفن تحت الأنقاض نتيجة القصف الأمريكي الأخير، يرى مسؤولون إسرائيليون أن المواد النووية نُقلت مسبقًا إلى مواقع سرية جديدة بعيدة عن متناول الأقمار الصناعية والتفتيش الدولي.
جبل الفأس.. الموقع الغامض الذي أربك المفتشين
تُعدّ منشأة «جبل الفأس» أحد أكثر المواقع إثارة للجدل في إيران، وتقع في منطقة جبلية نائية يُعتقد أنها بُنيت لتحصين أنشطة تخصيب اليورانيوم بعيدًا عن الاستهداف الجوي.
إيران، من جانبها، ترفض السماح للمفتشين الدوليين بدخول هذا الموقع أو أي منشأة أخرى غير مدرجة رسميًا ضمن قائمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يثير شكوكًا متزايدة بشأن طبيعة الأنشطة الجارية هناك.
وتشير تقديرات غربية إلى أن «جبل الفأس» ربما أصبح المركز البديل لـ البرنامج النووي بعد تدمير أجزاء من منشأتي «نطنز» و«فوردو»، اللتين استهدفتا في الغارات الأمريكية الأخيرة.
تحذيرات دولية: «الحرب المقبلة مسألة وقت»
بحسب تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، يرى علي فايز، مدير مشروع إيران في «مجموعة الأزمات الدولية»، أن طهران تستعد لردّ أقل تقييدًا بكثير من ردها السابق في يونيو الماضي، مشيرًا إلى أن مصانع الصواريخ الإيرانية تعمل على مدار الساعة.
وقال فايز إن مسؤولين إيرانيين أبلغوه بنيّتهم إطلاق ما يصل إلى 2000 صاروخ في موجة واحدة لإرباك الدفاعات الإسرائيلية، مقارنة بـ500 فقط خلال 12 يومًا من المواجهة السابقة.
ورغم عدم وجود مؤشرات مؤكدة على هجوم وشيك، إلا أن إسرائيل ـــ بحسب فايز ـــ «تشعر أن المهمة لم تُنجز بالكامل»، وتستعد لاحتمال استئناف القتال في أي لحظة.
إسرائيل: «المهمة لم تكتمل»
منذ يونيو الماضي، تكرر إسرائيل تحذيراتها بأنها ستهاجم إيران مجددًا إذا اقتربت من إنتاج سلاح نووي، رغم نفي طهران المستمر لذلك.
وتقول تل أبيب إنها «أضعفت» قدرات إيران النووية لكنها لم «تدمّرها»، ملقية باللوم على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أوقف الحرب في وقت مبكر، على عكس رغبة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تريد «استكمال المهمة حتى النهاية».
وهذا الموقف يعكس خلافًا مكتومًا بين الطرفين، حيث ترى إإسرائيل أن قرار دونالد ترامب بالتوقف «حرمها من النصر الكامل»، فيما تعتبر واشنطن أن الهدف كان الردع لا التدمير لتفادي حرب شاملة في الشرق الأوسط.
تصعيد خطابي في طهران
في المقابل، صعّد المرشد الإيراني علي خامنئي من لهجته، مؤكدًا في ذكرى اقتحام السفارة الأمريكية في طهران (4 نوفمبر 1979) أن «العداء الأمريكي لإيران عميق»، وأن «الولايات المتحدة بطبيعتها المتغطرسة لا تقبل سوى الاستسلام».
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تعني عمليًا إغلاق الباب أمام أي مفاوضات نووية جديدة في المدى المنظور، خاصة مع تفاقم انعدام الثقة بين الجانبين.
اقرأ أيضًا| المُعادلة الصعبة| ماذا لو عادت طهران لتشغيل مواقع تخصيب اليورانيوم؟| «مُحلل أمريكي يُجيب»
انقسام داخل طهران.. تسوية أم مواجهة؟
وسط الجمود الدبلوماسي، يدور في طهران نقاش داخلي حول الخطوة التالية.
فبحسب مجموعة الأزمات الدولية، هناك تيار داخل الحكومة الإيرانية يرى أن التسوية مع واشنطن «ضرورة وطنية»، خصوصًا بعد التدهور الاقتصادي الحاد الذي جعل البلاد عاجزة حتى عن ضمان إمدادات الكهرباء بشكل مستقر، وهؤلاء يرون أن استمرار المواجهة يخدم إسرائيل ويهدد تماسك النظام من الداخل.
لكن التيار المقابل، المدعوم من الحرس الثوري الإيراني، يرفض أي تفاوض مع دونالد ترامب، معتبرًا أنه «شريك غير موثوق» انسحب من اتفاق 2015 ثم قصف منشآت إيرانية أثناء جولة تفاوضية جديدة، ما يجعل أي تسوية «مستحيلة أخلاقيًا وسياسيًا».
ورغم هذا الانقسام، يتفق الطرفان على أن المواجهة مع إسرائيل باتت حتمية، وأن «جبل الفأس» لن يكون سوى البداية في فصل جديد من الصراع بين الطرفين.
وبين التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن «نجاح ساحق»، والتقارير الاستخباراتية التي تشير إلى استمرار النشاط النووي الإيراني، تبقى الحقيقة غامضة.
فإيران، وإن كانت تلقت ضربة قاسية، إلا أن قدرتها على إعادة بناء منشآتها تحت الأرض تجعل «سحق البرنامج النووي» مسألة مؤقتة لا نهائية.
أما المنطقة، فتعيش على إيقاع هشّ من الهدوء القابل للانفجار في أي لحظة ـــ في انتظار ما سيكشفه جبل الفأس من أسرار، أو ما سيخفيه من جديد...


بوتين: نقدر جهود الرئيس السيسي لحل الأزمة بالشرق الأوسط
جيش الاحتلال يعلن اغتيال 4 مسؤولين أمنيين بارزين في حماس
لبنان وإسرائيل على أعتاب وقف النار.. وعون يتحدث عن «الفرصة الأخيرة»







