«أنطونيادس».. قطعة من حدائق قصر فرساي على أرض الإسكندرية| صور

حدائق أنطونيادس
حدائق أنطونيادس


تعود لعصر البطالمة وتضم 17 تمثالًا أسطوريًا وأشجارًا ونباتات نادرة
وصية البارون لابنه وحكاية مرآة فينوس العاكسة مع غرف الأميرات
زارها شاه إيران وملوك العالم وأبرمت فيها معاهدة الجلاء عن مصر عام 1936

العميد محمد حمد: نستقبل 100 ألف زائر أسبوعيًا
 

ما أن تمر من بواباتها الضخمة، وتسير بين الأشجار والنباتات النادرة، وتشاهد قصرها وتماثيلها الأسطورية، ستشعر قطعًا وكأنك في رحلة عبر الزمن داخل واحدة من أقدم حدائق العالم على أرض الإسكندرية.. أنها "أنطونيادس"، النموذج المصغر من حدائق قصر فرساي في باريس.

في ضاحية "إيلوزيس"، والتي تعني "جنات النعيم"، حيث كان يقصدها أهل المدينة في عصر ملوك البطالمة للمتعة والترفية، أنُشئت أنطونيادس ضمن حديقة النزهة الكبرى، وتحديدًا سنة 300 ق.م، حسبما يقول المؤرخون.

تاريخ عريق تملكه حدائق أنطونيادس، التي قال عنها المؤلف الألماني "أميل لودفيغ "الإسكندرية ملكة البحر المتوسط، وحديقة النزهة تاج من الزمرد يزين هامتها"، ما يوضح سبب تنوع نسقها بين الطرز الأندلسية العربية، الإيطالية، الروماني الإغريقي، والهندسي.

ووفقًا لهيئة تنشيط السياحة، تنقلت ملكية الحدائق بين أحد الأثرياء اليونانين مرورًا بمحمد علي باشا، وصولًا إلى الخديوي إسماعيل الذي أمر الفنان "بول ريتشارد"، عين مديرًا لمصلحة المتنزهات بالإسكندرية لاحقًا- بإعادة إنشاء الحدائق كنموذج مصغر من حدائق قصر فرساي بباريس.

وفي عام 1860، انتقلت ملكية القصر والحدائق إلى أحد الأثرياء اليونانين وهو البارون جون أنطونيادس، والذي سميت الحدائق باسمه لاحقًا، وآلت الحدائق والقصر بالميراث إلى ابنه " انطونى"، الذي نفذ وصية والده بإهداء القصر والحدائق إلى بلدية الإسكندرية عام 1918.

108 أفدنة
 

وللحديقة مدخلان رئيسيان، أحدهما في الجهة الشمالية بمنطقة سموحة، والآخر في الجنوب على محور المحمودية، ويتميز بوجود بوابة أثرية قيمة ذات كتفين من "رخام الكرارة"، يعلوها أسدان رخاميان وبينهما بوابة من الحديد المشغول تعتبر قطعة من الفن الرفيع، أهداها لها محمود مختار باشا، مدير البلدية، ونقلها من قصره إلى الحدائق عام 1929.

ويقول الدكتور أحمد بركات، المشرف العام على حدائق أنطونيادس والأفرع البحثية، إن مساحة حدائق أنطونيادس الثلاثة تبلغ نحو 108 أفدنة مقسمة بواقع "5 أفدنة لحديقة الورد، 40 فدانًا لحديقة أنطونيادس، 63 فدانًا لحديقة النزهة".

ويشير إلى أنه جرى تطوير حديقة الورد مع الحفاظ على شكلها القديم، عندما صممها المهندس الفرنسي " ديشون" عام 1928 على هيئة مدرجات على أربعة مستويات يضم كل مدرج منها ثمانية أحواض، يعلوها أربعة مثلثات متناظرة الشكل والمساحة، وتحيطها من الخارج برجولات خشبية ما يجعلها قطعة فنية يصعب تكرارها.

17 تمثالًا أسطوريًا
 

وحول أشهر معالم حديقة أنطونيادس، أوضح د.أحمد بركات، أن الحديقة تضم مجموعة كبيرة وقيمة من أنواع النخيل وأشباه النخيل إلى جانب أنواع عديدة من الأشجار والشجيرات والمتسلقات ونباتات الزهور المعمرة والحولية الشتوية والصيفية.

وأضاف أن الحدائق يزينها 17 تمثالًا نادرًا معظمها من الرخام، لشخصيات أسطورية وتاريخية مثل فينوس وكريستوفر كولومبس وماجلان، بالإضافة إلى تماثيل تمثل الفصول الأربعة وتماثيل أسود مصنوعة من أحجار المرمر.

المسطحات الخضراء
وكشف "بركات" أن الحديقة خضعت لأكبر خطة شاملة لتطويرها ورفع كفاءة جميع خدماتها، مع الحفاظ على كافة محتوياتها من التماثيل والنباتات والأشجار النادرة الموجودة بها، لتعود الحديقة أفضل مما كانت عليه، قائلًا إنه جرى تخصيص شركة لصيانة المسطحات الخضراء في الحديقة على مدار اليوم".

ولفت إلى أن التطوير شمل الصوبة الملكية التي تقع في الطرف الغربي من حديقة أنطونيادس وهي مبنية على هيئة جمالون من الحديد المشغول يتكون من ثلاثة أجزاء، الجزئين الأمامي والخلفي على شكل مربع يعلو لعدة مستويات ينتهي بقبة علوية مربعة، أما الجزء الأوسط فيمتد ليربط بين الجزئين الأمامي والخلفي وجميع الجوانب والأسقف مكسوة بالزجاج.

وأشار إلى إنشاء 3 معامل لخدمة الحديقة والمجال الزراعي عمومًا، تشمل معمل التحاليل الزراعية والخاص بتحليل التربة والمياه والنبات ومعمل الغابات والأشجار الخشبية، فضلًا عن معمل زراعة الأنسجة، مضيفًا أنه جرى عمل شبكة ري وصرف وأمطار حديثة بكافة أنحاء الحديقة.

فندق 5 نجوم
 

وأضاف بركات، أن خطة التطوير شملت افتتاح فندق هلنان قصر أنطونيادس التاريخي، الذي يتبع مجموعة Helnan الاسكندنافية العالمية للفنادق، ما يسهم في زيادة عدد الغرف الفندقية في الإسكندرية ويجذب السياح.

وأوضح المشرف العام على حدائق أنطونيادس والأفرع البحثية، أنه جرى إنشاء مسجد "الفتاح العليم" وتخصيص شركة أمن تعمل ورديات على مدار 24 ساعة وعمل إذاعة داخلية، منوهًا أنه سيجري خلال أيام افتتاح حديقة الديناصورات أمام زوار حدائق أنطونيادس.

قصر أنطونيادس
 

ويخضع قصر أنطونيادس الملكي داخل الحدائق، والمكون من 3 طوابق على مساحة نحو 2859 متر مربع، والذي استضاف العديد من ملوك وأمراء العالم أثناء فترة إقامتهم بالإسكندرية من بينهم ملك إيطاليا "لامبرتو" وملك بلجيكا وملك رومانيا "زوفو"، لعملية تطوير شاملة.

وفي عهد الملك فؤاد خصص الطابق السفلى من القصر للاستقبال وقاعة للطعام والمكتب والمكتبة، بينما قسم الطابق العلوي إلى جناحين للنوم يضم الجناح الأول مكان للنوم خاص بالملك والآخر خاص بالملكة يتوسطهما قاعة لتناول طعام الإفطار وملحق بكل مكان خاص منهما غرفة لتغير الملابس.

مرآة فينوس
 

ويضم الجناح الرئيسي بالقصر من الجهة القبلية أربعة غرف للأميرات كان يمكن من خلالها مشاهدة تمثال "فينوس" الذي ثبتت بإحدى يديه مرآة عاكسة تعكس ضوء الشمس عند الشروق لتضيء غرف الأميرات، فيما كان يزين أركان الواجهة الأمامية لسطح القصر أربعة تماثيل من الرخام.

وشهد القصر فترة بداية زواج شاه إيران محمد رضا بهلوي بالأميرة فوزية، حيث أقاما به خلال فترة شهر العسل، فيما أبرمت فيه معاهدة الجلاء عن مصر عام 1936 بين الحكومتين المصرية والبريطانية، إلى جانب الاجتماع التحضيري لإنشاء جامعة الدول العربية عام 1944 واختيار مصر مقراً لها. 

100 ألف زائر
 

ومن جانبه، أوضح العميد محمد أحمد حمد، مدير حديقة أنطونيادس، أن تطوير حدائق أنطونيادس استهدف الحفاظ على شكلها الحضاري والتراثي وأن يناسب التطوير كافة الثقافات والفئات العمرية، قائلًا:" كل أعمال التطوير راعت الحقبة التاريخية التي أنشئت فيها الحدائق".

وأشار "حمد” إلى أنه جرى إضافة مناطق ترفيهية وخدمية وملاعب ومساجد، فضلًا عن مناطق مخصصة لإقامة الحفلات وأعياد الميلاد والزفاف والمؤتمرات، منوهًا أن الحدائق تستقبل نحو 100 ألف زائر أسبوعيًا، تزيد في الأعياد والمناسبات إلى نحو 40 ألف زائر يوميًا.

وأضاف أن الحدائق شهدت فاعليات مهمة من بينها مهرجان الإسكندرية السينمائي في الفترة من 3 إلى 6 أكتوبر الجاري ومن المقرر استضافة فعاليات أخرى خلال الفترة المقبلة منها مسابقة ملكات جمال العالم للبيئة ومهرجان الإبداع في ديسمبر المقبل، من أجل وضع أنطونيادس في مكانها الذي تستحقه كأقدم الحدائق التراثية في العالم.