إسلام عفيفى يكتب: عندما يصبح المتحف ورقة تفاوض

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


«سيأتى يومٌ يتحدث فيه الحجر من تلقاء نفسه… وسيفهم الناس أن الحضارة لا تُكتشف، بل تُوقَظ من نومها الطويل».

لم يكتب سليم حسن هذه الجملة كشاعر يُغرِّد على هامش كتاب، بل كعَالِم يعرف أن المعركة الحقيقية ليست فى الحفر تحت الرمال، بل فيمن يملك حق تفسير ما يُكتَشف، ومن يملك حق الاحتفاظ به اليوم، وقد احتفلنا بافتتاح المتحف المصرى الكبير وموجة جديدة من مطالبات استرداد الآثار، يظهر أن الحجر بدأ بالفعل يتكلم.

الخطأ الشائع أن ننظر إلى سليم حسن كـ «عالم آثار كبير» ونكتفى بأن الرجل كان، فى جوهر مشروعه، ينقض بنية كاملة من التبعية المعرفية: الغرب هو الذى يكتشف، فيكتب، فيقرِّر ما هو مهم وما هو ثانوى، ثم يحمل أهم القطع إلى متاحفه، ويمنحنا نحن شرف زيارة تاريخنا فى لندن وبرلين وباريس، سليم قلب الطاولة من نقطة أعمق؛ لم يقل: «أنا مصرى وأريد حقي»، بل قال ضمنًا: «أنا قادر علميًا على أن أُنتِج معرفة تضاهى وتناقش وتُصحّح ما كتبه الغرب عن تاريخي» هذا ليس مجرد فخر وطني؛ بل تغيير فى قواعد اللعبة: طالما أن من يملك سلطة التأويل غيرك، فسيملك بعدها سلطة الاستحواذ وبالتالى، اللحظة التى يظهر فيها عالم مصرى بمستوى سليم حسن، وينتج موسوعة «مصر القديمة» بالعربية وبمعايير علمية صارمة، هى فى الحقيقة كانت أول خطوة فى معركة استرداد الآثار قبل أى خطاب عن «استرجاع حجر رشيد» أو «رأس نفرتيتي».

لأكثر من قرن، كان الخطاب الغربى عن الآثار المصرية فى الخارج يحمل تبريرات معلبة وجاهزة: «هذه القطع آمنة هنا أكثر من مصر؛ لا بنية متحفية، ولا تأمين، ولا تهيئة عرض» هذه الذريعة كانت تصلح جزئيًا فى زمن المتحف الضيق فى التحرير والمخازن المتهالكة، لكن مع المتحف المصرى الكبير اختلفت الحكاية جذريًا؛ مبنى ومعامل ترميم وأنظمة حفظ من طراز عالمى، وعرض متكامل لكنوز توت عنخ آمون لأول مرة بدل التكديس فى فاترينة، وبنية لوجستية وسياحية تجعل القاهرة نفسها مركزًا طبيعيًا لدراسة المصريات لا مجرد «مصدر مواد خام» للمتاحف الأجنبية هكذا سقطت الحجة الأساسية التى كانت تُرفع فى وجهنا «أنتم لا تملكون المكان الكفء» وبدأنا نسمع نبرة مختلفة: تحوّل من خطاب «الحفظ العلمي» إلى خطاب «التراث الإنسانى المشترك» جميل، لكن ما لم يقله أحد صراحة هو أن المتحف الكبير سحب منهم أهم كارت سياسى وأخلاقى.

إذا لم نفهم أن المتحف المصرى الكبير هو أقوى ورقة تفاوض سياسية فى ملف الآثار، سنضيّع نصف قيمته وجود مؤسسة بهذا الحجم والمواصفات يعنى أننا نستطيع أن نقول للعالم بثقة: علينا الآن مسؤولية مضاعفة فى حماية تراثنا، وعليكم مسؤولية مضاعفة فى إعادة النظر فى كل ما خرج من مصر بترتيبات غير عادلة أو تحت هيمنة استعمارية أو استغلال قانونى، المتحف ليس مجرد مكان ( نرص ) فيه كنوزنا؛ بل منصة تقول: انتهى زمن التعامل مع الآثار المصرية كـ«غنيمة مُعولَمَة» من هنا يصبح من الطبيعى أن نطالب بخطوات محددة: ملفات قانونية وسياسية مركزة لعودة القطع الفريدة، تحالفات مع دول الجنوب التى تعيش المشكلة نفسها، وخطاب مصرى جديد للخارج لا يكتفى بنبرة المظلومية، بل يطرح تصورًا بديلًا لتنظيم علاقة المتاحف العالمية بالتراث المُسترد.

فى رأيى، المعركة الحقيقية التى بدأها سليم حسن لم تنتهِ بعد؛ هو انتزع للمصرى حقه فى أن يكتب تاريخه بعقله، وبقى أن ننتزع حقه فى أن يعرض تاريخه فى بلده افتتاح المتحف الكبير ومبادرات استعادة قطع كبرى (مثل حجر رشيد، ورأس نفرتيتى أو رأس تحتمس وغيره) التى تقوم بها الدولة، هو واجب لتصحيح ميزان مختل منذ أكثر من قرن، كل أثر فريد يرجع ليس مجرد قطعة تزيد فى مخازننا؛ هو جزء من استكمال جملة سليم حسن: «سيأتى يومٌ يتحدث فيه الحجر من تلقاء نفسه…»؛ لكن الحجر لن يتكلم حقًا إلا عندما يعود يتكلم بلغته الأصلية، فى مكانه الطبيعى، فى حضن حضارته.

فى تلك اللحظة فقط، سنستطيع أن نقول إننا لم نكتفِ بإيقاظ الحضارة من نومها الطويل كما أراد الرجل، بل أعدنا إليها جسدها بعد أن سُرق منها لقرنٍ وأكثر ووقتها، ربما لا نحتاج أن نكتب مقالات رأى دفاعًا عن حقنا؛ لأن زائر المتحف الكبير، وهو واقف أمام حجر رشيد أو رأس ملك عادت بعد غياب، سيفهم وحده أن التاريخ العادل ليس فكرة بل يحتاج موطنًا وجغرافيا لقراءته بشكل صحيح.