علاء الدين حافظ يكتب: انتقام الجغرافيا.. بين الفعل ورد الفعل

الكاتب الصحفي علاء الدين حافظ
الكاتب الصحفي علاء الدين حافظ


الصدفة ليس لها وجود في عالم السياسة، ومن ثم لا يمكن التعاطي مع تصعيد مليشيا حمدتي في السودان على أنه وليد اللحظة. من حيث التوقيت؛ تم اختياره بعد أيام من وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وقبل أيام أيضًا من افتتاح المتحف المصري الكبير. مصر هي القاسم المشترك في التوقيتين، بمعنى أن هناك جملة عوامل ساهمت في وقف المذابح الإسرائيلية في غزة، يتصدرها رسائل مصر المباشرة والمبطنة للإدارة الأمريكية بسرعة التدخل ووقف هذه الإبادة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة بما يهدد بتعدد أطراف الحرب.

وفيما يتعلق بالمتحف الكبير، فإن الدولة المصرية سخّرت كافة أجهزتها الأمنية لإنجاح حفل الافتتاح الذي خُطط له أن يستضيف قادة وزعماء العالم. أقصد من وراء ذلك؛ أن من أعطى الضوء الأخضر لمليشيا حمدتي بأن تعيث قتلًا وتدميرًا واغتصابًا في مدينة الفاشر، يعي تمامًا أن الفرصة سانحة لتغيير موازين القوة لمصلحة المليشيا، كخطوة واسعة نحو إعادة «تقسيم المُقسم» على الحدود الجنوبية للدولة المصرية. وفق ما سبق، فإن هذا التصعيد يمثل من وجهة نظري «ردّ فعل»، فما هو إذن «الفعل»؟

🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳

من نافلة القول؛ أن الدور المصري في إفشال مخطط تهجير الأشقاء من غزة، وبالتبعية الوقوف أمام تصفية القضية الفلسطينية، أغضب دولًا في المنطقة بخلاف أمريكا وإسرائيل، لأن هذا الدور برهن على عودة مصر لملء فراغها الإقليمي، ما يعني الوقوف حجر عثرة أمام ما تطلق عليه الميديا الغربية «مخططات الشرق الأوسط الجديد» من جهة، ومن جهة أخرى تحجيم الأدوار الإقليمية التي بدأت تلعبها دول أخرى على خلفية تواري الدور المصري.

من هنا وجد الجميع ضالتهم في مليشيا حمدتي أملًا في تصدير أزمة للدولة المصرية من البوابة الجنوبية، حيث يتحقق من وراء ذلك؛ أولًا: ورقة ضغط يمكن المناورة بها من أجل تمرير مخططات الدول الغربية. ثانيًا: رسالة مباشرة إلى القاهرة مفادها أن انشغالها شمالًا بملف غزة وشرقًا بملف البحر الأحمر يجب أن يُقابله استنزاف جنوبي يربك الحسابات ويُضعف تماسك الأمن القومي في محيطه الحيوي. ثالثًا: أن إثارة الفوضى الممنهجة في السودان تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ في القارة الإفريقية، بدءًا من إضعاف العمق الجنوبي لمصر، وانتهاءً بمحاصرتها عبر حزام من عدم الاستقرار يمتد من القرن الإفريقي شرقًا إلى دارفور غربًا.

إن من يتعاطى مع المشهد السوداني بسطحية، يظن أنه نزاع محلي على السلطة، لكنه في جوهره اشتباك غير معلن بين مشروع وطني يريد إعادة السودان إلى محيطه العربي والإفريقي، ومشروع آخر يرمي إلى تحويله إلى قاعدة لوجستية تخدم أجندات تفتيت الإقليم وتحجيم الدور المصري في آنٍ واحد.

🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳

في هذا السياق، يُعيد استهداف السودان ما طرحه مركز «ستراتفور» الأمريكي في تحليله الأخير، حين أشار بوضوح إلى أن استمرار الحرب في دارفور يُضعف قبضة الجيش السوداني ويمنح القوى الغربية فرصة للضغط على مصر لعدم التدخل المباشر أو حتى الوساطة الفاعلة. وهي المقاربة نفسها التي طرحها تقرير لمؤسسة «راند»، حين ربط بين تدهور الوضع الأمني في السودان وضرورة «إعادة تعريف المصالح الأمريكية في وادي النيل».

نستخلص من ذلك أن واشنطن تُريد إدارة الأزمة لا حلّها، لأن استمرارها يُنتج واقعًا استراتيجيًا جديدًا يصب في صالحها، يستهدف تقييد حركة القاهرة في الجنوب.

الشيء بالشيء يُذكر، لا يمكن أيضًا تجاهل التقارير الاستخباراتية الغربية التي تتحدث عن دعم لوجستي غير مباشر تتلقاه مليشيا حمدتي عبر وسطاء إقليميين. وفق ذلك، يمكن القول إن الحرب في السودان لم تعد محلية الصنع، بل أصبحت نموذجًا لما يسميه هنري كيسنجر «الفوضى القابلة للإدارة»، أي خلق صراع يمكن ضبطه دون إنهائه، بحيث يظل أداة ضغط دائمة بيد القوى الكبرى. ومن هنا يتضح أن «تقسيم المقسّم» ليس غاية في ذاته بقدر ما هو وسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخل الإقليم، بما يضمن بقاء واشنطن في قلب المعادلة، وإن أعلنت نيتها الانسحاب من الشرق الأوسط.

🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳

ومن زاوية أوسع، لا يمكن فصل ما يجري في السودان عن الصراع الدولي المتنامي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالموقع الجغرافي للسودان يجعله بوابة استراتيجية تتحكم في الممرات البحرية التي تربط آسيا بإفريقيا وأوروبا، وهو ما يفسر حرص القوى الكبرى على إبقاء هذا الإقليم في حالة توتر مزمن. فكلما ضعفت الدولة السودانية، تمددت القواعد العسكرية الأجنبية على شواطئ البحر الأحمر، وتحوّلت الموانئ إلى نقاط نفوذ تتقاطع عندها المصالح الأمريكية والروسية والصينية. ومن هنا تبدو محاولات تفكيك السودان، في جوهرها، محاولة لقطع الامتداد الطبيعي للأمن القومي المصري باتجاه الجنوب، ولإعادة رسم خرائط النفوذ البحري في المنطقة، بحيث يُعاد توزيع أوراق القوة بما يتناسب مع موازين المصالح الغربية الجديدة في إفريقيا.

🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳

اللافت في الأمر أن كل هذا يجري في لحظة تُعيد فيها مصر صياغة تموضعها الإقليمي على أسس جديدة؛ فهي لم تعد تتعامل مع الأزمات بوصفها ردود فعل، بل تحولت إلى فاعل يفرض معادلاته. نجاح القاهرة في وقف سيناريو التهجير من غزة، وفي إدارة التوازنات الدقيقة بين الأطراف الدولية، أثبت أن ثقل الدولة المصرية لا يُقاس بمدى حضورها في الميديا الغربية من عدمه، بل بالقدرة على ترسيم خطوط حمراء لا يمكن لأحد تجاوزها، وهذه القدرة تحديدًا هي ما يُخيف واشنطن وتل أبيب؛ لأنهما تدركان أن مصر لم تعد جزءًا من المعادلة، بل أصبحت المُعادلة نفسها.

بالموازاة، تبدو السياسة الأمريكية اليوم في مأزق واضح، فهي من جهة تُعلن رغبتها في تخفيف حضورها العسكري في الشرق الأوسط للتفرغ لمواجهة الصين، لكنها من جهة أخرى تدرك أن أي انسحاب كامل يعني ترك المجال لقوى أخرى كروسيا والصين وتركيا لتملأ الفراغ. وهنا تبرز الفكرة التي تناولها الباحث روبرت كابلان في كتابه «انتقام الجغرافيا»، حين قال إن الجغرافيا لا تسمح بالانسحاب الكامل، لأن من ينسحب من الشرق الأوسط يترك وراءه مركز الثقل الذي يحدد موازين العالم.

🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳

النقطة الجوهرية الأخرى، تُدرك الإدارة الأمريكية أن مصر - رغم كل الضغوط - لا تزال بوابة التوازن في الإقليم، وأن تغييب دورها لن ينتج سوى مزيد من الفوضى، وهو ما يتماهى مع تقرير معهد بروكينجز الأخير، حين أشار إلى أن «استقرار الشرق الأوسط يبدأ من استقرار مصر»، معتبرًا أن موقعها الجغرافي والسياسي يجعلها عامل الحسم في أي تسوية قادمة، سواء في السودان، أو في غزة أو حتى فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني.

إن ما يجري اليوم في السودان، وما يُرسم في الكواليس من خرائط وتفاهمات، ليس سوى فصل جديد في الصراع حول هوية الإقليم. فإما أن تنتصر رؤية القاهرة للأمن القومي العربي، التي تقوم على وحدة المصير، أو تنتصر رؤية الفوضى التي تعاكس جغرافية وإيديولوجية دول المنطقة. وواهم من يعتقد أن مصر التي وقفت حجر عثرة أمام تصفية القضية الفلسطينية، ستسمح بإعادة تقسيم السودان مجددًا.