حسين كمال: افتتاح المتحف المصري الكبير يروي رحلة إنجاز مصرية

الدكتور حسين كمال
الدكتور حسين كمال


على مرمى البصر من الأهرامات التي تتحدى الزمن، يقف رجل تفيض عيناه بالفخر والامتنان، وهو يشهد ثمرة رحلة امتدت لأكثر من ثمانية عشر عامًا. لم يكن عمله في المتحف المصري الكبير مجرد مهنة، بل رسالة عشق للتاريخ وإيمان بأن التراث يمكن أن يُرمم كما تُرمم الروح.

اقرأ أيضا | اتحاد شركات التأمين: القطاع جاهز لتغطية المتاحف ضد الخسائر والأضرار

بين جدران هذا الصرح الضخم، ترك الدكتور حسين كمال بصمته كأحد أبرز صُنّاع الحلم الذي تحول إلى حقيقة تُبهر العالم.

* رحلة شغف تُتوّج بحلم حضاري

في بهو المتحف المصري الكبير، يقف الدكتور حسين كمال، مدير مركز الترميم  بالمتحف المصري الكبير ، متأملًا مشهدًا طال انتظاره؛ لحظة افتتاح المتحف الذي ارتبط اسمه به لأكثر من نصف عمره المهني. فمنذ عام 2006، حين بدأ ضمن اللجنة العلمية المسؤولة عن وضع الخطط الأولى لمركز الترميم، كان يدرك أن ما يُبنى ليس مجرد مبانٍ، بل صرح يعيد صياغة علاقة المصريين بتاريخهم العريق.

يقول الدكتور كمال: «المتحف هو نص عمري الوظيفي»، وهي عبارة تختصر سنوات طويلة من الجهد والإخلاص، عاش خلالها كل تفاصيل المشروع من الحلم إلى التحقق، ومن المخطط الورقي إلى حجر الأساس، وصولًا إلى استقبال أول قطعة أثرية دخلت معامل الترميم.

على مساحة تقارب 32 ألف متر مربع، نهض أكبر مركز ترميم في العالم، يضم 19 معملًا متخصصًا و6 مخازن أثرية ضخمة، تُعد بمنزلة القلب النابض للمتحف. هنا، لا تُصان القطع الأثرية فحسب، بل تُبعث الحياة في حضارة عمرها آلاف السنين.

منهج علمي صارم لصون التراث

يوضح الدكتور كمال أن عملية الترميم ليست عملاً تقنيًا فحسب، بل منظومة علمية دقيقة تتبع مبادئ لا يمكن تجاوزها:

1- الضرورة التدخل فقط عند الحاجة الحقيقية.
2- الطريقة المثلى اختيار الأسلوب العلمي الأنسب للعلاج.
3- الحفاظ على الأصالة ألا يغير الترميم مظهر القطعة أو طبيعتها التاريخية.

وتبدأ العملية قبل وصول القطعة إلى المتحف، حيث تُجرى عمليات فحص وتغليف دقيقة لضمان سلامتها أثناء النقل، يليها التوثيق الكامل لحالتها، ثم تُحال إلى معامل الترميم المتخصصة.

- تأهيل جيل جديد من المرممين

لم يتوقف طموح مركز الترميم عند إنجازاته المادية، بل امتد إلى بناء الإنسان. فمنذ عام 2010، نُفذت أكثر من 100 دورة تدريبية بالتعاون مع مؤسسات دولية، لتأهيل كوادر مصرية شابة تمتلك خبرة علمية ومهارة عملية عالية، كثير منهم من خريجي كليات الآثار وباحثي الدراسات العليا.

نتيجة لهذا الجهد، تم ترميم 56 ألف قطعة أثرية، من بينها مقتنيات الملك توت عنخ آمون، ومركب خوفو، والدرج العظيم، والمسلة المعلقة، إضافة إلى تمثال رمسيس الثاني الذي يستقبل الزائرين في بهو المتحف.

- حلم تحقق ومجد يتجدد

تجسد قاعة الملك الذهبي جوهر العمل كله؛ حيث تُعرض لأول مرة مقتنيات مقبرة توت عنخ آمون كاملة في مكان واحد، ليشعر الزائر وكأنه يكتشف المقبرة من جديد، في تجربة بصرية وسردية تدمج بين الأصالة والتقنية الحديثة.

وبينما تترقب الأنظار حول العالم لحظة الافتتاح الرسمي، يقف الدكتور حسين كمال متأملًا المشهد، لا كمدير فحسب، بل كأب يودع أبناءه بعد أن أتم رسالته. لقد كان واحدًا من «حراس الأثر»، أولئك الذين رمموا التاريخ ليقدموه من جديد للعالم في أبهى صورة، مجسدين بإخلاصهم أن الحضارة لا تُورث فقط، بل تُصان وتُعاد ولادتها كل يوم.