فنجان قهوة

لا تنس من أنت

يسرى الفخرانى
يسرى الفخرانى


اليوم لا يُفتتح متحف إنما يُفتتح بابٌ جديد من أبواب هوية مصر المُلهمة.

المتحف المصرى الكبير ليس مبنى من زجاج وحديد، هو مرآة كبيرة نرى فيها أنفسنا أين كنا وكيف يجب أن نكون. كل حجر فيه يحكى، وكل تمثال ينظر إليك كأنه يسألك: هل ما زلت تذكر من أنت؟

منذ أكثر من عشرين عامًا، بدأ الحلم. أن يكون لمصر متحف يليق بتاريخها، على مرمى نظر من الأهرامات التى علّمت الدنيا معنى البقاء. واليوم يتحقق الحلم. على مساحة تمتد لنحو نصف مليون متر مربع، يقف المتحف الأكبر فى العالم المخصص لحضارة واحدة. فيه أكثر من مائة ألف قطعة أثرية، بينها كنوز توت عنخ آمون كاملة للمرة الأولى منذ أن أُزيح التراب عنها عام ١٩٢٢، وقارب خوفو الذى أبحر من مقبرته إلى مكانه الجديد فى واحدة من أدق عمليات النقل فى التاريخ.

وتبقى قيمة اليوم ليست فى الأرقام.. القيمة فى المعنى.

أن تعود مصر لتخاطب العالم من قلبها، من التاريخ الذى لم ينطفئ أبدا ومن الحضارة التى لم تغب يوماً.

أن نعرف أن هناك مليار إنسان على وجه الأرض يهتمون بالآثار المصرية القديمة، بكل حجر نُقش ونُحت بأيدى أجدادنا العظماء، يبحثون عنها، يقرأون فيها، ويحلمون بزيارتها. هؤلاء ضيوفنا، ونحن أصحاب البيت. واجبنا أن نستقبلهم بما يليق بنا وبهم. نقدم لهم حضارتنا كما هى: نقية، إنسانية، فيها حكمة وفن وإيمان وجمال.

المتحف المصرى الكبير لا يحكى الماضى فقط، لكنه يدعونا أن نبدأ من جديد. أن نُعيد الاعتبار للتاريخ فى مدارسنا، لا كحصة للحفظ بل باب للانتماء. أن يزور التلميذ المتحف ويرى نفسه ويرفع رأسه ممتلئا بالفخر والثقة، يشعر أن هذه الآثار الخالدة ليست غريبة عنه، وأن هذه الأرض كانت وما زالت أرض الحضارة العميقة والحاضر الساحر.

اليوم هو عيد مصرى.. يومٌ نقول فيه للعالم إن مصر لم تخرج يوماً من التاريخ لأنها التاريخ.

كل حجر فى المتحف ينطق: أنا هنا منذ آلاف السنين، أنت أين اليوم وغدا.