قضية ورأى

إنسانية التكنولوجيا وسيطرة الرأسمالية

د. شاهيناز العقباوى
د. شاهيناز العقباوى


تمكنت الرأسمالية عبر مقوماتها المختلفة من إحكام السيطرة على مقدرات التكنولوجيا، واستطاعت من خلال وسائل متعددة أن توجهها لخدمة مصالحها المالية المادية البحتة، بعيداً عن الهدف الأسمى الذى يروج له من السعى نحو الارتقاء بالإنسانية، حيث أدت سيطرة رأس المال إلى خلق ما يسمى بتسليع المعرفة، والذى ترتب عليه هيمنة القوى الاقتصادية والشركات الكبرى على كافة الأشكال العلمية، بداية من فكرة الملكية الفكرية، وبراءات الاختراعات، وصولاً إلى التقليل من دور الإنسان وقدرته فى التحكم فى أهداف التكنولوجيا، وترك الساحة لسيطرة الرأسمالية المادية.

ذلك أنه وعلى أرض الواقع يلاحظ التقدم غير المسبوق فى قطاعات بعينها، ربما تعد هى الأكثر ربحية فى العالم، والتى يأتى على رأسها امتلاك المعلومات والصراع حول فكرة تداول البيانات، فضلاً عن تطوير الأسلحة بأشكالها المختلفة، ونزولاً إلى السلع الاستهلاكية، وإذا انتقلنا إلى عناصر أكثر اتساعاً فمن المستغرب أنّه ورغم الإعلان المستمر عن قدرات الشركات التكنولوجية الحديثة فى تحديد أماكن البشر بمنتهى الدقة، ورصد تحركاتهم حول الكرة الأرضية بأقصى كفاءةٍ ممكنة، ما نزال عاجزين عن اكتشاف أو التنبؤ بصورة أكثر تحديداً بالكوارث الطبيعية قبل حدوثها، والسعى نحو تجنبها أو حتى التقليل من مخاطرها إن أمكن.

والأعجب من ذلك هو خيبة الأمل التى أصيب بها العالم أمام عجز دولة كبرى مثل أمريكا، بكل ما تتمتع به من قدرة تكنولوجية فى القضاء على الحرائق التى اندلعت فى إحدى ولاياتها وأتت على الأخضر واليابس، معللين ذلك بأن قوة الرياح هى السبب. وربما كان القطاع الصحى هو الأكثر احتياجاً للتقدم، حيث إنه من غير المعقول حتى الآن، أنه ما تزال التكنولوجيا عاجزة عن اكتشاف أدوية تعالج الأمراض السرطانية على سبيل المثال، أو حتى تقلل من مضاعفاتها الخطيرة، ولن نبالغ ونطالب بوسائل تمنع الإصابة بها فى الأساس، والمدهش فى الأمر أنه حتى الآن لم يتمكن التقدم التكنولوجى من إنتاج عقاقير تساهم فى علاج الأمراض المزمنة الأكثر انتشاراً حول العالم، مثل السُّكَّر أو الضغط، ومن المرجح أن هذه المطالبات ليست فى حسابات الشركات الكبرى، وربما تكون بعيدة عن مخططاتهم، لأنها إذا قيست بلغة الأرقام مقارنة بالقطاعات الاقتصادية الأخرى، فمن المؤكد أن كفّة المادية ستكون هى الأثقل. وعليه فمن الجائز أن الرأسمالية المتوحشة استطاعت أن تقوض مساعى التكنولوجيا نحو تحقيق الكثير من الآمال والطموحات الخيرية لخدمة البشرية، لكنها بالتأكيد لن تستمر طويلاً أمام سيطرة الروح الإنسانية حتى فى أكثر الأهداف المادية.