حبر قلم

المولد.. دين أم عادة؟

محمد عبيد
محمد عبيد


تابعتُ على مدار ثلاثة أيام متتالية ردودَ الفعل على مواقع التواصل الاجتماعى تجاه ما صدر من أفعال «غريبة» من بعض المشاركين فى مولد السيد البدوى بمدينة طنطا خلال الأسبوع الماضى. وقد شهدت المنصات الرقمية حالة من الجدل الحاد والتراشق اللفظى بسبب هذه التصرفات المثيرة للجدل، التى ارتبطت بالتبرك بصاحب المقام والاستعانة به لقضاء الحاجات. واستند عدد من المستخدمين إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية لمناقشة الأمر، بينما اندفع آخرون فى موجة من الانفعال والتعصب بدلًا من الحوار الهادئ القائم على المنطق والحجة.
شاهدتُ العديد من مقاطع الفيديو التى وثّقت مظاهر الاحتفال داخل المولد، سواء أمام الضريح أو فى حلقات الذكر. ومن يتمعن فى هذه المقاطع يلاحظ أن كثيرًا من المشاركين ينتمون إلى فئات اجتماعية بسيطة تعانى ضعفًا فى التعليم والمعرفة الدينية، مما يؤدى إلى سوء فهمٍ لأمور العقيدة. فماذا ننتظر من شخص لا يقرأ ولا يكتب أو بالكاد يستطيع القراءة؟ هذه الفئات غالبًا ما تكون عرضةً للممارسات الشعبية التى تبتعد أحيانًا عن جوهر الدين الصحيح، وهو ما يثير تساؤلات حول دور المؤسسات الدينية فى توجيهها نحو الفهم السليم.
كنتُ أتمنى أن يتناول خطباء المساجد فى خطبة الجمعة التالية للمولد قضية العلاقة المباشرة بين المسلم وربه، التى لا تحتاج إلى وسيط أو إلى ما يشبه «صكوك الغفران»، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186).
وهنا يبرز التساؤل: لو تم إلغاء المولد، هل سيتأثر الدين أو حياة المصريين؟ أليس من بين الأولياء الصالحين من توفّوا ولا يُعرف عنهم شيء، ولا تُقام لهم موالد، ومع ذلك بقى ذكرهم الطيب وعملهم الصالح شاهدًا عليهم؟ إن جوهر الدين لا يُقاس بالمواسم أو الطقوس، بل بصدق العلاقة بين العبد وربه.
وفى النهاية، يظل المولد مناسبةً تكشف الحاجة إلى وعيٍ دينيٍ أعمق، يُذكّر الناس بأن الطريق إلى الله يبدأ من القلب والعقل، لا من المظاهر والوسائط.