24 عامًا خلف قضبان الاحتلال.. حكاية «فلسطيني» لم تنكسر إرادته

الأسير عمر بسيس برفقة أحفاده
الأسير عمر بسيس برفقة أحفاده


بعد 24 وعشرين عامًا من الغياب خلف القضبان، خرج الأسير عمر بسيس من سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى ضوء الحرية، يحمل ملامح تغير عليها الزمن، لكنه ما زال يحتفظ بذات البريق في عينيه الذي دخل به إلى السجن قبل أكثر من عقدين.

منذ لحظة الإفراج عنه ضمن صفقة التبادل الأخيرة، كان مشهد استقباله في طولكرم أشبه بعودة روح إلى جسدها، ازدحمت الشوارع والبيوت، وامتلأت الأصوات بالتكبير والدموع، اختلطت فيها مشاعر الفخر بالحزن، والفرح بالدهشة، الرجل الذي فقد شبابه في الزنازين، يعود اليوم ليجد وطنًا تغير، وأبناءً كبروا من دونه، وعالمًا لم يعرف بعد معنى الصبر الذي حمله في قلبه طوال هذه السنين.

◄ تهمة الانتماء للمقاومة

 

وُلد عمر في بيئة بسيطة في مخيم طولكرم، ونشأ على قيم الكرامة والانتماء، وكان في مطلع شبابه حين اعتقله الاحتلال، بتهمة الانتماء للمقاومة والمشاركة في نشاطات تصفها إسرائيل بأنها «معادية لأمنها»، بينما كان هو يراها واجبًا وطنيًا تجاه أرضه وشعبه.

منذ اليوم الأول لاعتقاله، أدرك أن طريقه سيكون طويلًا، لكنه لم يتراجع، أمضى السنوات الأولى في التحقيق والعزل، ثم تنقل بين سجون متعددة، من نفحة إلى رامون، ومن عسقلان إلى النقب، حاملاً معه ذكريات موجعة عن زنازين لا ترى فيها الشمس.

 

◄ حلقات فكرية وثقافية في السر

 

في السجن، لم يرض أن يكون مجرد رقم بين آلاف الأسرى، قرر أن يُحول سنوات القيد إلى مساحة للتعلم والنضوج، قرأ مئات الكتب، وتعلم اللغة العبرية ليفهم سجانيه أكثر، وشارك في حلقات فكرية وثقافية أقامها الأسرى سرا في الزنازين، كان يؤمن أن المعرفة شكل من أشكال المقاومة، وأن العقل الحر لا يُسجن مهما ضاقت الجدران.

لم يكن السجن سهلًا، عانى من المرض والإهمال الطبي، وشهد رحيل رفاق له فقدوا حياتهم تحت التعذيب أو بسبب البرد والجوع، لكن أكثر ما آلمه كان غياب أسرته، رحلت والدته وهو في عامه الخامس عشر في السجن، ولم يُسمح له بتوديعها، يقول لمن حوله بعد الإفراج عنه: «حين يموت من تحب وأنت خلف الأسوار، تشعر أن جزءًا من روحك دُفن معه».

 

اقرأ أيضا| حوار| «شؤون الأسرى»: الاحتلال ينتهك اتفاقية جنيف و6000 فلسطيني خلف القضبان

 

حين خرج عمر من السجن، وجد أبناءه وقد أصبحوا رجالًا، بعضهم لم يكن قد وُلد بعد يوم اعتقاله، جلس في فناء بيته الصغير في شويكة، كان الزمن قد مضى عليه سريعًا خارج السجن، وبطيئًا داخله، حتى إن الأشياء البسيطة بدت له غريبة: الهاتف الذكي، المدينة المزدحمة، والسيارات الحديثة. قال لأحد الصحفيين بابتسامة حزينة: «في السجن، كنا نحلم برؤية غيمة حقيقية.. اليوم أستطيع أن أراها وأمشي تحتها».

 

◄ السجن يسرق العمر

 

لم يكن الإفراج عنه مجرد حدث شخصي، بل لحظة رمزية تختصر معاناة آلاف الأسرى الذين ينتظرون حريتهم. حين صافحته والدات الأسرى في الاستقبال، كان يشعر أنه يحمل أملهم جميعًا، وأن عليه واجبًا أخلاقيًا بأن يظل صوتهم حاضرًا. تحدث إلى وسائل الإعلام قائلاً: «السجن يسرق العمر، لكنه لا يسرق الإيمان. خرجنا أقوى مما دخلنا، لأننا تعلمنا أن الإنسان يستطيع أن يعيش دون حرية مؤقتًا، لكن لا يستطيع أن يعيش دون كرامة».

وفي الليلة الأولى بعد الإفراج، لم يغمض له جفن، جلس أمام نافذة بيته، ينظر إلى أضواء المدينة، يتذكر زنازين البرد، وجدران الصمت، والأصدقاء الذين بقوا هناك، كان يشعر بالامتنان لأنه عاد، وبالذنب لأنه ترك خلفه من لم يعودوا بعد، وبين دمعة وضحكة، همس لابنه الأصغر الذي جلس بجانبه: «يا بني، السجن لا يقتل الإنسان، ما يقتله هو أن ينسى لماذا سُجن».

وهكذا بدأ عمر بسيس فصلاً جديدًا من حياته، حرا في جسده، لكن ما زال يحمل في ذاكرته كل رفاقه، وكل الجدران التي شهدت وجعه وصموده، قصته ليست فقط حكاية أسير تحرر بعد 24 عامًا، بل شهادة على أن الإرادة يمكنها أن تنتصر، حتى لو تأخرت ربع قرن من الزمن.