■ كتب: حسن حافظ
في قلب منطقة الدراسة بالقاهرة القديمة تقع مجموعة من المنشآت التي تشكل وحدة واحدة من الجمال المعماري، تحكى ذروة الفنون الإسلامية بمصر، عنوانها السلطان الأشرف قايتباي (حكم 872- 901هـ/ 1468- 1496م)، الرجل الذي عرف بمنشآته الكثيرة والجميلة في العديد من المدن المصرية، والتي يظل أجملها وأكثرها إشراقًا وإتقانًا مدرسته بمنطقة صحراء المماليك أو الدراسة، والتي يعرفها المصريون جيدًا لأن صورتها على عملة الجنيه الورقي.

استغل السلطان قايتباي فترة حكمه الطويلة التي استمرت لنحو 29 سنة، فى ترسيخ دولة المماليك في وقت كانت الأخطار تحيط بها فهزم العثمانيين ثلاث مرات، كما عرف بولعه بالعمارة فبنى الكثير من المنشآت المعمارية فى العديد من الأحياء المصرية سواء كانت وكالات كما هى حال الوكالة الواقعة خلف الجامع الأزهر، أو الوكالة الواقعة على يمين الداخل من باب النصر، فضلا عن الأسبلة والتي يقف في مقدمتها سبيله البديع فى منطقة الصليبة قرب جامع السلطان حسن، والذي يعد أحد أجمل الأسبلة المملوكية على الإطلاق، كما أن له جامعا بمنطقة قلعة الكبش.
لكن تظل أجمل وأهم منشآته تلك الواقعة فى منطقة الدراسة، وتضم مجموعة متكاملة والتى تضم الربع السكنى المخصص لإقامة الصوفية، وآخر لتأجير غرفه لمن يرغب من الأهالي، وحوضًا لشرب الدواب، وسبيلا ومقعدا، كما أنشأ قبة على شيخه الصوفى عبدالله المنوفي، إلا أن أجمل هذه المنشآت وأكثرها تأثيرًا وتعد بلا جدال واحدة من أروع عمائر دولة المماليك الجراكسة، هى المدرسة التى بناها الأشرف قايتباي وسط هذا المجمع الزاخر بالمنشآت الخيرية.

ويقول حسن عبدالوهاب في كتابه «المساجد الأثرية» عن مدرسة قايتباى: «والزائر لها تستهويه بجمالها ورشاقتها، ولا غرو فهى محط رحال زائرى مصر، لأنها جمعت أرقى التفاصيل المعمارية التى وجدت فى دولة المماليك الجراكسة».
◄ اقرأ أيضًا | أصل الحكاية| «مسجد قجماس الإسحاقي».. جوهرة معمارية مملوكية | صور
وهو وصف يمكن لنا التأكد منه من خلال صور محمد عبدالملك، المصور الفوتوغرافى والموثق لمعالم مدينة القاهرة، فهنا تغرقك التفاصيل الدقيقة لفنون إسلامية فى كل ركن وزاوية من مدرسة وقبة الأشرف قايتباي، بداية من البوابة الرئيسية للمجمع والتى تقع فى الجهة الشمالية، والتى نجد عليها بهاء الرخام الملون، والمقرنصات المملوكية التى وصلت إلى ذروتها فى تلك الفترة، وبجوار المدخل نجد السبيل المخصص لتوفير المياه بالمجان، وفوقه يقع شباك المكتب المخصص لتعليم الصبية القراءة والكتابة والحساب، أما باب المنشأة النحاسى فكتب عليه: «عز لمولانا السلطان المالك الملك الأشرف أبو النصر قايتباى سلطان الإسلام والمسلمين قاتل الكفرة والمشركين ومحيى العدل فى العالمين عز نصره».

أما أعلى البوابة فنجد المئذنة الرشيقة التى تعبر عن نماذج المآذن فى عصر المماليك الجراكسة، وهى واحدة من أجمل المآذن فى مصر، وأكثرها دقة فى نقوشها، وهى مقسمة إلى ثلاثة أجزاء الأول مثمن محلى بالكتابات والزخارف، ثم القسم المدور وعليه زخارف نباتية، وصولا إلى الجزء العلوى المقام على مجموعة من العمدان الصغيرة الرشيقة، أما قبة المجموعة وهى القبة الضريحية التى يقع تحتها قبر السلطان الأشرف فهى من أجمل القباب الإسلامية زخرفت بنقوش هندسية ونباتية غاية فى الروعة والدقة، وحفرت فى الحجر حفرًا بارزًا، أما من داخل القبة فتصف سعاد ماهر فى كتابها (مساجد مصر وأولياؤها الصالحون)، المشهد قائلة: «زخرفت القبة من الداخل بزخارف نباتية ملونة ومذهبة، وقد فتح فى رقبة القبة مجموعة من النوافذ المملوءة بالزخارف الجصية المعشقة بالزجاج الملون».
وبعد الدخول إلى الجامع تصل عبر ممر إلى الصحن مغطى والإيوانات الأربعة، وكالعادة تجد أن أكبرها هو إيوان القبلة، وهذه الإيوانات من تحف العمارة الإسلامية لما تحتويه من عقود ونقوش بديعة وشبابيك جصية معشقة بالزجاج الملون، وقوس إيوان القبلة غاية فى الرشاقة والانسيابية والحسن، إذ جاء على شكل حدوة حصان، وهو يتناغم مع صنعة الفنان الذى فتح فى جدار القبلة أربعة شبابيك خشبية وفوقها أربعة شبابيك جصية مطعمة بالزجاج، ويتم الوصول إلى ضريح السلطان قايتباى عن طريق أحد الأبواب فى جدار جانبى بإيوان القبلة.
عندما تنتهى من زيارة مجموعة السلطان الأشرف، فستتأكد من أن أوصاف المؤرخين والأثريين لها لم تكن إلا عين الحقيقة، فهى من أبدع وأجمل المجمعات المعمارية فى مصر الإسلامية، لما تحتويه من دقة الزخارف وجمال النسب بين مكونات المجموعة، مما أدى إلى التناسق الذى يتسرب إلى نفسك فى صورة شعور بالرهبة أمام كل هذا الجمال، فالسكون الذى يخيم على المجموعة يعبر عن نجاح المعمارى المصرى الذى لا نعرف هويته، والذي استطاع أن يعزف صلاة الجمال فى محراب الخلاء بقلب الصحراء، ويكتب قصيدة من الحجر، فكان كما قال جمال الغيطانى ذات يوم: «أحد أجمل مساجد الدنيا، والآية الفنية الرائعة».
بعد تحقيقه 213 مليون جنيه.. أزمة «برشامة» تشعل البرلمان
بحجة «موافقة الوزارة».. زيادات كبيرة بمصروفات المدارس الخاصة
السيد زعبوط: أسعى لمحاربة الأورام بإعادة برمجة المناعة







