أوروبا.. من تبنى الرواية الإسرائيلية إلى لغة العقوبات الاقتصادية

اجتماع وزراء خارجية  الاتحاد الأوروبى فى يوليو الماضى لبحث الإجراءات العقابية ضد إسرائيل
اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى فى يوليو الماضى لبحث الإجراءات العقابية ضد إسرائيل


محمد الزهيرى

مازال ملف السابع من أكتوبر مفتوحًا عصيًا على الإغلاق فالحدث غير مسبوق ستبقى تأثيراته وتداعياته طويلًا على كل المستويات وساهم في تغيير جذرى على أكثر من صعيد. تناولنا فى الحلقة السابقة طرفي النزاع المباشر، (الإسرائيلى) الذي ساهم طوفان الأقصى في حراك غير مسبوق على صعيد التركيبة السياسية الحاكمة وكرس الصراع بين المستوى السياسي والعسكري وقد يؤدي إلى الإطاحة برؤوس كبيرة فيها على ضوء نتائج التحقيقات التى بدأت ولم تنته، (والفلسطينى) على صعيد المأساة الإنسانية غير المسبوقة التى تعرض لها الشعب الذى عاش معاناة ارتفاع فاتورة الشهداء والمصابين والنزوح الداخلى لأكثر من منطقة داخل القطاع، ناهيك عن الخسائر المادية بعد أن قامت قوات الاحتلال بعمليات تخريب مخطط لها ومعد مسبقًا لخلق حالة استحالة للعيش أمام الفلسطينيين مع توقف عجلة الاقتصاد الفلسطينى المحدود، مما رفع فاتورة إعادة الإعمار إلى مليارات الدولارات. 

اقرأ أيضًا| 43 شهيدا بنيران جيش الاحتلال في غزة منذ فجر اليوم بينهم 10 من منتظري المساعدات

وفي هذه الحلقة الجديدة نتوقف بالتفاصيل عن تأثيرات السابع من أكتوبر الاستراتيجية على الصعيد الإقليمى من خلال قدرات إسرائيل ونجاحها في النيل من قدرات إيران والجماعات المرتبطة بها بالدخول فى مواجهة مسلحة غير مسبوقة معها، ناهيك عن الردود الإيرانية بالهجمات على أهداف نوعية داخل إسرائيل التي تنجح بالرقابة العسكرية الصارمة في التغطية عليها والتخفيف منها وتحولت القضية فى لبنان على سبيل المثال إلى نزع سلاح حزب الله.

اقرأ أيضًا| أمجد الشوا: استهداف الاحتلال للمؤسسات الإنسانية في دير البلح جريمة حرب

والأهم فى الأمر هو التزامن بين البدء في بحث آليات وقف إطلاق النار مع دخول عملية طوفان الأقصى ومع  دخول العدوان الإسرائيلي عامه الثالث وطرح الرئيس الأمريكي رونالد ترامب خطة متكاملة لتحقيق ما أسماه السلام النهائى ولأن (الشياطين تعشش فى التفاصيل) فقد بدأ ماراثون البحث فى آليات تنفيذها عبر مفاوضات تشهدها مدينة شرم الشيخ لتنفيذ المرحلة الأولى من الخطة مع الإقرار بالصعوبات التى يمكن أن تواجه التنفيذ ومنها ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وكذلك النص الخاص بنزع سلاح حركة حماس. .

وإلى مزيد من التفاصيل.

لم يعد الموقف الأوروبى من الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى كما كان فى العقود الماضية، فبعد سنوات طويلة من تبنى الرواية الإسرائيلية وتقديم الدعم السياسى والاقتصادى لها، بدأت أوروبا تدخل مرحلة جديدة تتسم بانتقادات متزايدة لسياسات الاحتلال الإسرائيلى، وبمحاولات جادة لاستخدام أدوات الضغط الاقتصادى قد تصل فى المستقبل إلى فرض عقوبات مباشرة.

فمنذ عام 1948 ارتبطت أوروبا بإسرائيل بدوافع متشابكة، منها عقدة الذنب تجاه المحرقة النازية ومنها أيضًا حسابات استراتيجية تتعلق بوجود حليف غربى قوى في الشرق الأوسط، فقد قدمت الحكومات الأوروبية إسرائيل على أنها «واحة ديمقراطية» فى محيط عربى معادٍ، وتجاهلت الرواية الفلسطينية وما حملته من نكبة وتشريد، وهذا الموقف تُرجم فى شراكات اقتصادية وعسكرية واسعة، جعلت الاتحاد الأوروبى أحد أهم شركاء إسرائيل التجاريين، ووفرت لها غطاء سياسياً متواصلاً حتى مع تكرار انتهاكاتها للقانون الدولي.

وجاءت الانتفاضة الأولى عام 1987 لتمثل نقطة تحول فاصلة، فقد أظهرت للعالم مشاهد الحصار والاعتقالات اليومية، وأضعفت خطاب «الدفاع عن النفس» الذى طالما تبناه الكيان الصهيونى.. ثم جاءت الانتفاضة الثانية عام 2000 وما صاحبها من صور الدمار والعنف المفرط، لتدفع شرائح أوسع من الرأى العام الأوروبي إلى التشكيك فى الرواية الإسرائيلية.

وفى عام 2004 أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا يعتبر الجدار الفاصل فى الضفة الغربية غير قانونى، وهو ما وفر سنداً قانونياً قوياً للحركات الداعمة لفلسطين داخل أوروبا، كما اتجهت بعض البرلمانات الأوروبية إلى الاعتراف الرمزى بدولة فلسطين، فى خطوة عكست الانقسام داخل النخب الحاكمة.

أما الحروب المتكررة على غزة، من 2008 حتى اليوم، فقد ساهمت بشكل كبير في تغيير الصورة لصالح الفلسطينيين، حيث إن مشاهد الضحايا المدنيين التي تناقلتها وسائل الإعلام التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعى جعلت من الصعب على الحكومات الأوروبية تبرير مواقفها المنحازة لإسرائيل، وهكذا تشكلت شبكات تضامن عابرة للحدود دفعت بعض الشركات الأوروبية لإعادة النظر فى علاقاتها الاقتصادية مع المستوطنات.

ومع اتساع الاستيطان الإسرائيلى ورفض تل أبيب الانصياع للشرعية الدولية، بدأ الاتحاد الأوروبى يتخذ خطوات اقتصادية محدودة، أبرزها فرض قيود على استيراد منتجات المستوطنات وإلزام الشركات بوضع ملصقات تعريفية على منتجات المستوطنات، فضلا عن تعليق بعض اتفاقيات التعاون البحثى الممنوحة لإسرائيل، وتتضمن الإجراءات المقترحة من الاتحاد فرض عقوبات على وزراء إسرائيليين «متطرفين»، وكذلك على المستوطنين المتورطين فى أعمال عنف، فى رسالة أوروبية واضحة تطالب بإنهاء الحرب الدائرة، ورغم أن هذه الخطوات لم ترتق إلى مستوى العقوبات الشاملة، إلا أنها شكلت تحولاً نوعيا عن سياسة الدعم غير المشروط.

ورغم هذه التحولات، ما زالت أوروبا مقيدة بعدة عوامل أبرزها قوة اللوبيات المؤيدة لإسرائيل والعلاقات الاقتصادية والعسكرية المعقدة بين الطرفين فضلا عن الانقسامات بين دول الاتحاد الأوروبى حيث تختلف المواقف بين التشدد والدعوة للتوازن.

في نهاية الأمر يمكن القول إن أوروبا اليوم لم تعد مجرد «مُتبنٍ للرواية الإسرائيلية»، بل أصبحت «ناقداً حذراً يستخدم الاقتصاد كأداة ضغط» فى سابقة لم تحدث منذ عقود، وهو ما يمكن الجزم إنه مدفوع بضغط من شعوب هذه الحكومات الأوروبية التى دفعت حكوماتها إلى تغيير مواقفها ورؤيتها تجاه القضية الفلسطينية والدعم الغير مشروط سابقا للكيان الصهيوني.. ورغم أن قرارات أوروبا لا تزال جزئية ورمزية، إلا أن المسار يوحى بتحول محورى فى العلاقة، ومع استمرار أزمات غزة والعدوان الصهيوني الغاشم وما يرتكبه من جرائم ومجازر شنعاء بحق الإنسانية وتزايد الأصوات الحقوقية العالمية، تبقى ورقة العقوبات الاقتصادية مطروحة بقوة على الطاولة الأوروبية، ما قد يفتح الباب أمام مواقف أكثر استقلالية وتوازناً فى المستقبل.