أعدّها تشن تيان تشه
لقد أكد مؤتمر باندونغ عام 1955 على رفض الاستعمار، ودفع التعاون بين دول آسيا وإفريقيا، كما أن العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين قامت في ظل روح مؤتمر باندونغ. وكان المؤتمر أيضًا تجسيدًا لميثاق الأمم المتحدة. ويصادف هذا العام الذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، وفي ظل سياق دولي تتداخل فيه الأزمات والاضطرابات، يبقى ميثاق الأمم المتحدة دليل عمل للحفاظ على استقرار العلاقات الدولية ودفع التقدم البشري. وستتعاون مصر والصين للحفاظ على النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة باعتبارها جوهره.
وبصفتها دولة إقليمية كبرى، تلعب مصر دورًا مهمًا في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتعزيز التنمية المستدامة. وتعد مصر من أبرز الداعمين لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؛ فمنذ أن أرسلت قواتها لأول مرة إلى عملية الأمم المتحدة في الكونغو عام 1960، شارك أكثر من 30 ألف عنصر مصري في 37 مهمة لحفظ السلام في 24 دولة. كما انتُخبت مصر عدة مرات عضوًا غير دائم في مجلس الأمن الدولي، ودائمًا ما عبّرت في القضايا الدولية الكبرى عن مصالح الدول النامية، وكذلك عن المصالح المشتركة للدول الإفريقية والعربية، وأسهمت في الدفاع عن السلام والعدالة الدوليين. واليوم، تحتضن القاهرة مكاتب إقليمية لـ 18 منظمة تابعة للأمم المتحدة، مما يمنح مصر موقعًا محوريًا في الحوكمة الإقليمية.
أما علاقة الصين بالأمم المتحدة فهي علاقة توازن ديناميكي تتطور مع تنامي قوتها الوطنية. فعندما استعادت الصين مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة عام 1971، كانت "صوتًا مسموعًا"؛ وعندما أطلقت مسيرة الإصلاح والانفتاح، أصبحت "مشاركًا" نشطًا؛ أما اليوم في عصر التنمية السريعة، فقد ارتقت لتصبح "بانية" لعمل المنظمة. وتؤكد الصين دائمًا في إطار الأمم المتحدة على مفهوم التعاون والكسب المشترك، في تناقض واضح مع "الدوائر الصغيرة" الإقصائية التي تسعى إليها الولايات المتحدة والغرب، وهو ما يجعل المشاركة الصينية في الشؤون الدولية بنّاءة وإيثارية.
وفي الوقت الذي تضخ فيه الصين الزخم في عمل الأمم المتحدة، تتعزز قدرتها على قيادة الحوكمة العالمية. وقد تم إدراج مبدأ "التشاور والبناء المشترك وتقاسم المنافع" الذي طرحته الصين في قرارات الأمم المتحدة، وهو أمر ذو مغزى كبير للدول النامية، ومنها مصر. وفي الوقت نفسه، يشغل العديد من الصينيين مناصب مهمة في مؤسسات الأمم المتحدة، وهو ما يعكس الارتقاء الكبير في احتياطي الكوادر الدولية الصينية وقدرتها على الحوكمة العالمية.
إن التعاون المصري–الصيني في المجالات متعددة الأطراف يتميز بالتكامل. فمصر على دراية بسياقات الحوكمة في إفريقيا والعالم العربي، بينما تملك الصين التمويل والتكنولوجيا والخبرة في الحوكمة العالمية. ومن خلال تعاونهما، يمكن للبلدين تحقيق نتيجة "1+1 أكبر من 2". فعلى سبيل المثال، يدعو البلدان معًا، في إطار الأمم المتحدة، إلى عالم متعدد الأقطاب أكثر مساواة ونظام اقتصادي معولم أكثر شمولية وعدالة، ويعارضان الهيمنة والأحادية، ويعملان على صون العدالة الدولية والمصالح المشتركة للدول النامية. ومثال آخر، انضمام مصر إلى آلية تعاون البريكس، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والبنك الجديد للتنمية، وهو ما مكّنها من تحقيق أثر تكاملي مع الصين في مجالات التمويل والتنمية. كما تدعم الصين مشاركة مصر في قرارات الحوكمة العالمية، وتدفع باتجاه نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، مما يعزز تمثيل مصر في الساحة الاقتصادية الدولية.
ويصادف عام 2025 الذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، وكذلك الذكرى الثمانين لانتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني، والانتصار في الحرب العالمية ضد الفاشية. وكانت مصر أحد الساحات المهمة في الحرب العالمية ضد الفاشية، إذ شكّل "مؤتمر القاهرة" و"إعلان القاهرة" حجر أساس في تحديد النظام الدولي لما بعد الحرب، وقدما سندًا قانونيًا دوليًا مهمًا لاستعادة الصين أراضيها التي اغتصبتها اليابان العسكرية، وهو ما مثّل علامة فارقة في تاريخ الحرب العالمية ضد الفاشية.
يجب على البشرية أن تستخلص العِبَر من ويلات الحرب؛ فالسلام لا يُفرض بالهيمنة، بل يُصان بالتعاون العادل، والتنمية ليست امتيازًا لقلة من الدول، بل هي حق مشترك للبشرية جمعاء. وستواصل مصر والصين العمل معًا على دفع التعددية، فهذه ليست دروسًا مستفادة من التاريخ فحسب، وإنما هي ضرورة مستقبلية أيضًا.

نفحات جديدة للتراث الصيني في حفل زفاف جماعي
الصين وروسيا تمضيان نحو شراكة تنسيق استراتيجي شاملة ذات جودة أعلى
توصيف جديد للعلاقات الصينية الأمريكية يرسم مسارا ليمضي البلدان نحو بعضهما البعض







