من فيتنام إلى الصين.. نزاع السيادة البحرية يشتعل مجددًا بمعايير «مزدوجة»

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


أعاد تقرير بحثي دولي تسليط الضوء على النزاع المشتعل في بحر الصين الجنوبي، كاشفًا عن مفارقات لافتة في تعامل بكين مع جيرانها.

فبينما تتوسع فيتنام بهدوء في بناء جزر اصطناعية على نطاق غير مسبوق، دون أن تواجه ردًا صينيًا قويًا، تتعرض الفلبين لموجة متصاعدة من الضغوط والتوترات العسكرية مع بكين، لتطرح المفارقة سؤالًا محوريًا، ألا وهو: «لماذا تُظهر الصين صبرًا مع فيتنام، وتتصرف بقسوة مع الفلبين؟».

اقرأ أيضًا| كيف تمد الصين نفوذها في مياه آسيا دون طلقة واحدة؟


توسع فيتنام غير المسبوق

كشف تقرير صادر عن مبادرة الشفافية البحرية الآسيوية (AMTI)، ومقرها واشنطن، أن فيتنام تجاوزت الصين في وتيرة بناء الأراضي الاصطناعية بجزر سبراتلي (الواقعة في بحر الصين الجنوبي بين كل من فيتنام والفلبين والصين وبروناي وماليزيا)، فقد أنشأت هانوي (عاصمة فيتنام) نحو 70% من المساحة التي طورتها بكين في أربع سنوات، حتى مارس الماضي، عبر عمليات تجريف وردم واسعة، وهذه الخطوة، قد تفتح الباب لتشييد منشآت عسكرية، بينها أرصفة لخفر السواحل والبحرية.

ورغم أن الصين عادةً ما تُصعّد ردودها ضد أي تحركات تهدد مطالبها بالسيادة، فإن ردها على توسع فيتنام كان صامتًا إلى حدّ كبير، فبكين اكتفت ببيانات بروتوكولية، في حين اقتصرت المواجهات البحرية على حوادث محدودة لم تصل إلى مستوى الأزمات، على عكس ما حدث مع الفلبين، ويرى محللون ــ بحسب مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية ــ أن هذا النهج يعكس رغبة بكين في تجنّب التصعيد مع هانوي (عاصمة فيتنام).


تصعيد ضد الفلبين

على النقيض، لم تتردد بكين في اتخاذ إجراءات حادة ضد مانيلا (عاصمة الفلبين)، ففي سبتمبر الماضي، أطلقت البحرية الصينية مدافع مياه على سفينة فلبينية قرب سكاربورو شول، بالتزامن مع سعي بكين لتحويل الجزر إلى "محمية طبيعية"، كما شهدت المنطقة حادثًا أخطر، تمثل في تصادم بين سفينة لـ البحرية الصينية وخفر السواحل الصيني أثناء مطاردة سفينة فلبينية، ما أسفر عن أضرار جسيمة وإصابات محتملة.

وتفاقمت الأزمة منتصف 2024 عند جزيرة توماس شول الثانية في بحر الصين الجنوبي، حيث تتمركز قوات فلبينية على متن سفينة حربية قديمة، وخلال عملية إمداد روتينية، تعرض بحارة فلبينيون لإصابات بعدما اصطدمت سفينة صينية بسفينتهم، وتسلل مهاجمون صينيون بأسلحة بيضاء كالخناجر والفؤوس ــ بحسب مجلة «فورين بوليسي»، ورغم التوصل لاحقًا إلى ترتيب دبلوماسي مؤقت، تبقى احتمالات التصعيد قائمة.


حسابات بكين المتباينة

يُرجّح أن اختلاف ردود الصين بين فيتنام والفلبين يعود لعدة عوامل:

◄أولا:- التحالفات الدولية، حيث عززت مانيلا (عاصمة الفلبين)، ارتباطها بالولايات المتحدة في عهد الرئيس الفلبيني، فرديناند ماركوس الابن، وأجرت تدريبات عسكرية مشتركة مع قوى كبرى كالهند واليابان وأستراليا، ما أثار مخاوف بكين.

◄ثانيًا:- النهج الفيتنامي، فعلى الرغم من الخلافات التاريخية، حافظت هانوي (عاصمة فيتنام)، على علاقة أكثر مرونة مع الصين، فشاركت في احتفالاتها الوطنية، وانضمت لقمة منظمة شنجهاي للتعاون والبريكس، ما رسخ الثقة السياسية بين البلدين.

 

الرسوم الجمركية تقرّب فيتنام من الصين

بعد عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض في يناير الماضي، وفرضه رسومًا جمركية متبادلة طالت فيتنام، سارعت هانوي لاستقبال الرئيس الصيني، شي جين بينج، حيث وُقعت عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، ورغم أن هانوي استقبلت أيضًا الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن عام 2023 لتعزيز الشراكة، فإن الصين لم تُبدِ قلقًا، مدركةً أن سياسة فيتنام "المتعددة الاتجاهات" لا تستهدفها مباشرة.

وخلال الأشهر الماضية، كثفت الفلبين مساعيها لحشد الدعم الدولي، فقد التقى الرئيس الفلبيني، ماركوس رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وتعهد الطرفان بتعاون دفاعي لمواجهة التحديات البحرية، كما أجرت الفلبين أول مناورة عسكرية مشتركة مع الهند في بحر الصين الجنوبي، واستضافت لاحقًا وفدًا تايوانيًا، ما أثار غضب بكين بشدة.


سياسة «اللاءات الأربع» في فيتنام

تحافظ فيتنام على أربع لاءات في سياستها الدفاعية:

1- لا تحالفات أمنية.

2- لا تحالف ضد دولة أخرى.

3- لا قواعد أجنبية.

4- لا حرب استباقية.

ويمنح هذا النهجج فيتنام، مرونة أكبر في التعاون مع دول متعددة، مع إبقاء علاقاتها مع بكين تحت السيطرة، على عكس الانفتاح الصاخب لـ الفلبين.

اقرأ أيضًا| قيود اقتصادية تعرقل طموح الصين لمنافسة وكالة التنمية الأمريكية
 

ديمقراطية الفلبين تقلق الصين

تُدرك الصين أن النظام الديمقراطي في الفلبين يجعل سياساتها الخارجية متقلبة، ففي عهد الرئيس الفلبيني السابق، رودريجو دوتيرتي (2016-2022) مالت الفلبين أكثر إلى الصين، لكن الرئيس الفلبيني الحالي ماركوس قلب المعادلة نحو واشنطن، أما في فيتنام، فالنظام الشيوعي أحادي الحزب يمنح بكين يقينًا أكبر بشأن استمرار التعاون السياسي والعسكري.

وفي ذات السياق، اعتمدت الفلبين نهج «الشفافية الحازمة» بكشف انتهاكات الصين إعلاميًا، بينما فضّلت فيتنام «التعتيم الهادئ» وحل الخلافات بعيدًا عن الأضواء ــ بحسب مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية ــ لكن كلا الاستراتيجيتين لم تُجبر بكين على التراجع عن مطالبها، وإن كانت فيتنام قد نجحت في إبقاء التوتر بمستويات أقل مقارنة بالفلبين.

وأكدت «فورين بوليسي»، أن النزاع في بحر الصين الجنوبي سيبقى قابلًا للاشتعال.. لكن طبيعة تعامل الصين مع جيرانها تكشف عن معايير مزدوجة واضحة، ففي حين تتسامح مع توسع فيتنام، تلجأ إلى التصعيد مع الفلبين، ما يعكس توازنات معقدة ترتبط بالتحالفات الدولية، والسياسات الداخلية، ورؤية بكين لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة..