البردى.. أ وراق بعمر مصر معاهد للحفاظ على أقدم صناعة فرعونية.. وترويجها سياحيًا

كريم حامد
كريم حامد


صناعة ورق البردى.. واحدة من أعرق الصناعات البدائية التى عرفها التاريخ الإنسانى سواء فى مصر والعالم إن لم تكن الأعرق على الإطلاق - صناعة ورثها المصريون عن أجدادهم الفراعنة قبل 5 آلاف سنة على أقل تقدير، يتوارثونها ويتفننون فى صناعتها وتطويرها جيلاً تلو الآخر «أقدم بردية عُثر عليها يعود تاريخها إلى حوالى 3 آلاف سنة قبل الميلاد!».

عثر على أقدم دليل أثرى مكتوب على ورق البردى فى عامى 2012 و2013 فى وادى الجرف، وهو ميناء مصرى قديم يقع على ساحل البحر الأحمر، يعود تاريخ هذه الوثائق التى تحمل عنوان «يوميات ميرير»، إلى نحو 2560-2550 قبل الميلاد «نهاية عهد الملك خوفو»، وتصف لفات البردى تلك السنوات الأخيرة من بناء الهرم الأكبر بالجيزة.
 وحديثا.. تأسس معهد الأهرام الثلاثة للبرديات قبل 21 عاما ليحافظ على هذه الصناعة التاريخية العتيقة، المعهد لم يقتصر دوره على التصنيع فقط، بل تحول إلى مركز ثقافى وسياحى يعكس قيمة هذا النبات التاريخى، ويعيد تقديمه فى صورة لوحات فنية تجذب الزائرين من مختلف أنحاء العالم.. وتنتشر منه هذه البرديات للعالم أجمع ليكون فى كل بيت أثرا وذكرى جميلة من زيارته لمصر.
 يقول عبدالهادى محمد السيد، مالك معهد الأهرام الثلاثة للبرديات أن أغلب زبائنه من اليابان والولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا مثل بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وفرنسا «دول غرب أوروبا» وخاصة عشاق الحضارة المصرية القديمة وغالبا ما يفضل السائح الدمج بين المناظر الطبيعية ومشاهد الآثار القديمة، فالآثار وحدها أصبحت موديلات قديمة كلوحات، موضحا أن الزمن يضع بصمته على كل شىء والأذواق دائما تختلف من وقت لآخر.


وقال أن نبات البردى يزرع أساسا فى قرية القرموس بمحافظة الشرقية، وهى المركز الرئيسى لإنتاجه منذ العصور القديمة، ورغم أن المعهد يزرع بعض نباتات البردى أمامه للعرض والتعريف بالنبات، إلا أن الاعتماد الحقيقى فى الإنتاج يظل على الشرقية، بعد أن يصل طول النبات إلى ثلاثة أمتار، تبدأ مراحل التصنيع فى الورش من تقشير الساق، إلى تقطيع الجزء الداخلى منه إلى شرائح، ثم نقعها فى الماء لمدد تتراوح بين ثلاثة وسبعة أيام، وفقا للون المطلوب.
وتابع واصفا: «بعد ذلك ترص الشرائح بشكل طولى وعرضى وتضغط فى المكابس، حيث يلتصق النسيج طبيعيا بفضل السكريات الموجودة فى النبات، من دون أى مواد كيماوية. النتيجة ورق أصيل يمكن الكتابة أو الرسم عليه، تماما كما كان يفعل المصرى القديم الذى استخدم القشرة الخارجية الصلبة للنبات فى صناعة الصنادل والمراكب والأوانى، بينما استخدم الجزء الداخلى الطرى لصناعة الورق».
وأضاف قائلا: «حتى اليوم هناك نوعان من ورق البردى، الأول جودته عالية ويصنع من الساق الأساسى للنبات وتستخدم فى المعهد.. والثانى ذو الجودة الأقل وينتج من الأجزاء الصغيرة أو الفضلات وتكون أوراقها أقصر وأضعف.. الورق المستخدم فى المعهد يتميز بمتانته، إذ يمكن الكتابة عليه باستخدام جميع أنواع الألوان، سواء الزيتية أو المائية، تمامًا مثلما كان يفعل الفراعنة قبل آلاف السنين، 90٪ من رواد المكان هنا من الأجانب الذين يقبلون على شراء منتجات البردى باعتبارها أفضل هدية مصرية خالصة، لا تحمل أى بصمة أجنبية، بخلاف صناعات أخرى قد يدخل فيها مكونات مستوردة أو تقلد فى الخارج».
وتابع قائلا: «يبقى ورق البردى هو المنتج المصرى الوحيد الذى لم يصنع أو يقلد فى أى دولة أخرى حتى الآن.. ولا يقتصر دور المعهد على الحفاظ على الطابع الفرعونى التقليدى، بل يعمل أيضًا على التطوير الفنى، حيث يتعاون مع فنانين مصريين موهوبين لتقديم لوحات عصرية تجمع بين التراث والخيال، مثل لوحات للأهرامات مع النخيل والبحيرات، لتلبى أذواق الزوار من مختلف الجنسيات.. كما يستقبل المعهد رحلات مدرسية وتثقيفية لتعريف الأجيال الجديدة بأهمية ورق البردى، وكيف كان وسيلة أساسية لفهم تاريخ المصريين القدماء وحياتهم اليومية من خلال البرديات المكتشفة».


أخيرا.. يبقى ورق البردى شاهدا على حضارة المصريين القدماء، وإعادة إنتاجه اليوم بنفس الحرفة القديمة هو تجسيد لأصالة مصر وحرصها على الحفاظ على تراثها التاريخى، مع فتح آفاق جديدة للفن المعاصر.