هلاوس الإرهابية |الجماعة على «شيزلونج» الطب النفسى

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية


ضلالات وأوهام تصل إلى حد الهلاوس..هكذا قرأ علماء الطب النفسى العقلية  الإخوانية فشخصيتهم ليست بسيطة أو عادية، بل مزيج متناقض يجمع بين الهوس بأفكار جامدة وبين نزعة نفعية لا ترى فى العقيدة سوى وسيلة لبلوغ السلطة والنفوذ.. هنا يصبح الخطاب الدينى مجرد ستار يخفى وراءه مصالح لا تعبأ بمصير وطن أو مجتمع.

علماء النفس يؤكدون كذلك أن هذه الشخصية تقوم على جمود فكرى يرفض النقد أو التطوير، فتظل أسيرة أفكار مغلقة لا تقبل الحوار، مما يدفع أصحابها إلى الانغلاق أولاً، ثم إلى العنف حين تضيق بهم الدوائر .. والأدهى أن قادة الجماعة يحوّلون هذا التطرف إلى «بزنس» يدر عليهم النفوذ والمال، بينما يتركون الأتباع ـخصوصاً الشبابـ فريسة سهلة  «لغسيل دماغ» يسرق عقولهم ويصنع منهم وقوداً لمعارك وهمية.



اقرأ أيضًا | المهمة المشبوهة |مراكز أبحاث غربية لتبييض وجه «الإخوان»

فالشخصية الإخوانية مضطربة، تعيش بين وهم الرسالة الكبرى وحقيقة المكاسب الصغرى، وبين خطاب مثالى مزيف وواقع ملئ بالفشل والخيرات والأوهام  .. «الأخبار» حاولت التعرف من الخبراء والمتخصصين فى علم  النفس على أهم  ملامح شخصية جماعة الإخوان الإرهابية .

فى البداية يوضح الدكتور محمد محمود حمودة استشارى الطب النفسى بجامعة الأزهر أن الشخصية الإخوانية تقوم على شقين أساسيين لا يمكن فصلهما، الشق الأول يتمثل فى اقتناع تام بالأفكار والمبادئ، وهو اقتناع يبلغ حد «الفكرة المبالغ فى قيمتها» حيث يزداد الإيمان بها بشكل مفرط، وقد يصل هذا الإيمان عند البعض إلى مرحلة «الضلال»، وهى فكرة ثابتة وراسخة لا يمكن تغييرها بالمنطق أو الأدلة، ويضيف أن هذه الظاهرة قد تتطور إلى ما يُعرف بـ»الضلالات المشتركة» حيث يؤمن بها جميع أفراد الجماعة، كما ظهر خلال اعتصام رابعة فى أفكار مثل نزول الملائكة أو الوحى، وهى معتقدات غير قابلة للنقاش حتى لو بدت خاطئة بشكل واضح للآخرين.

أما الشق الثانى، فيشير إلى أن الإيمان بهذه الأفكار قد يكون مجرد غطاء لتحقيق أهداف ومكاسب شخصية، فالإصرار على هذه الأفكار لا ينبع دائمًا من قناعة حقيقية، بل غالبًا يكون وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو اجتماعية أو الوصول إلى السلطة، ويصنف الخبير هؤلاء الأفراد على أنهم «سايكوباتيون»، أى فى عداء مع المجتمع، وهدفهم الأساسى هو تحقيق مصالحهم الشخصية بغض النظر عن الأذى الذى قد يلحق بالآخرين، ويؤكد أن هذه الشخصية تشبه إلى حد كبير شخصية المحتال أو النصاب، حيث يكون الهدف النهائى هو تحقيق مكسب شخصى.

ويشدد أستاذ الطب النفسى على أن هذه الثنائية بين الإيمان المتطرف والمصالح الشخصية تجعل مواجهة هذه الظاهرة تحديًا معقدًا يتطلب فهمًا عميقًا للجوانب النفسية والاجتماعية، داعيًا إلى تضافر الجهود لتعزيز الوعى ومواجهة هذه الأفكار بمنهجية علمية وشاملة.

الدكتور وليد هندى استشارى الصحة النفسية يؤكد أن الجمود الفكرى اهم سمات الجماعة الإرهابية..مؤكدًا أن هذه الجماعات ليست مجرد تنظيمات فكرية أو سياسية، بل هى كيانات تتحكم فيها سمات نفسية وعقلية معقدة تدفعها نحو التطرف والعنف.. كما أن هناك سمات أساسية مشتركة بين أفراد هذه الجماعات، والجمود الفكرى هو السمة الأبرز التى تميز قادة وأفراد هذه الجماعات.

ويشير إلى أن أغلب القادة يأتون من خلفيات علمية وعملية مثل كليات الهندسة والطب والصيدلة، وهو ما يفسر افتقارهم للمرونة الفكرية.. فهذه التخصصات، على أهميتها، لا تتعرض للمناهج الإنسانية مثل الأدب والفلسفة التى تنمى الإحساس وتفتح آفاق التفكير النقدى، مما يجعلهم أكثر قابلية للانغلاق الفكرى وتقبل الأفكار الجامدة.

أما السمة الثانية، فهى ما يسميها الدكتور هندى بـ»عقدة المسادة» وهى فكرة نفسية يتميز بها المخططون الإرهابيون، مستشهداً بقصة ألف من اليهود المتطرفين الذين لجأوا إلى جبل المسادة فى الأردن عندما حاصرهم الرومان، اختاروا قتل أنفسهم على الوقوع فى الأسر، وهذا بالضبط ما يفعله الإخوان حين يشعرون أن الخناق يضيق عليهم فيلجأون إلى العنف وتفجير النفس كوسيلة لرفض الاستسلام.

مراحل التطرف
ويشرح الدكتور هندى المراحل التى يمر بها تفكير هذه الجماعات المتطرفة، والتى يمكن ملاحظتها فى سلوكهم العام .. ففى مرحلة الإنكار ترفض الجماعات الاعتراف بالواقع، وتعيش فى حالة من الوهم والإنكار، ويستدل على ذلك ببعض الأفراد الذين ظهروا على التلفاز يؤكدون أن الرئيس السابق سيعود، وهو ما يوضح مدى رفضهم للحقائق على الأرض.. وفى مرحلة العنف عندما تضيق الدائرة على هذه الجماعات وتفشل محاولاتها، فإنها لا تجد حلاً سوى اللجوء إلى العنف كرد فعل يائس على ذلك.

ثم مرحلة التفاوض والاستسلام حيث إن الجماعات الإخوانية عندما تزيد من عنفها، فإن ذلك يعتبر مؤشراً على أنها فى أضعف حالاتها، مما يعنى أنها على وشك الدخول فى مرحلة التفاوض ثم الاستسلام فى نهاية المطاف.

وتشير الدكتورة رشا الجندى أستاذة علم النفس أن الفكر الإخوانى المتطرف لا يمكن تحليله بمعادلة ثابتة أو سبب واحد ينطبق على الجميع، خاصة أن الأسباب التى تدفع شخصًا نحو التطرف تختلف جذريًا من حالة إلى أخرى، حيث إن السلوك ذاته قد ينتج عن دوافع وأسباب مختلفة تمامًا من فرد لآخر.

التطرف الزائف
وتضيف أن المتطرفين يمكن تقسيمهم إلى فئتين رئيسيتين: هما المتطرفون الحقيقيون وهم غالبًا من الشباب صغار السن الذين يتعرضون لغسيل دماغ ممنهج، ويتم استغلالهم فى أوقات ضعفهم النفسى أو المادي، مثل غياب الدعم العاطفى أو الشعور بالوحدة، فيتم تلبية احتياجاتهم النفسية والعاطفية بطريقة زائفة، مما يؤدى إلى تأثرهم بالأفكار المتطرفة والاقتناع بها بشكل كامل، والنوع الثانى هم المتطرفون المزيفون وغالبًا هم من القيادات الكبار الذين يتبنون التطرف كـ»بزنس» أو أداة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، مؤكدة أنهم لا يتبنون هذه الأفكار من منطلق قناعة داخلية حقيقية، بل كوسيلة للسلطة والنفوذ

وعن الأسباب التى قد تؤدى إلى التطرف، توضح أن التربية فى مرحلة الطفولة هى أهم هذه الأسباب، خاصة إذا وقعت أخطاء تُسبب ضعفًا نفسيًا، مثل التربية التى تجعل الطفل ضعيفًا نفسيًا أو سهل التأثر، مما يجعله عرضة للانجذاب نحو الجماعات المتطرفة، بالإضافة للنقص العاطفى، والتى تؤدى إلى البحث عن العاطفة التى افتقدها الشخص فى طفولته، يدفعه للتعلق بأى مجموعة أو شخص يوفر له هذا الشعور، حتى لو كانت أفكاره متطرفة، وأخيرًا، تشير إلى أن التشدد الدينى والتربية فى بيئة دينية متطرفة أو متشددة قد تؤدى إلى اعتناق الأفكار المتطرفة، على عكس التربية الدينية المعتدلة التى تُحصّن الفرد ضدها.

وتناشد الخبيرة النفسية الآباء بضرورة الاعتدال فى التربية، مؤكدة أن التطرف فى التربية قد ينتج إنسانًا متطرفًا فى المستقبل، وتوضح أن التطرف لا يقتصر على الحرمان الشديد، بل يشمل أيضًا الإفراط فى التدليل أو القسوة، مشددة على أن أى خروج عن حد الاعتدال فى تربية الأبناء وتشكيل شخصياتهم يجعلهم عرضة للتطرف مستقبلًا.

وتؤكد أن مكافحة التطرف تتطلب تضافرًا حقيقيًا بين كافة مؤسسات الدولة، مشيرة إلى أن «يد واحدة لا يمكنها التصفيق»، خاصة أن هذه المعركة لا يمكن أن تنجح إذا اهتمت جهة واحدة فقط بالحل، بل يجب أن يكون هناك تكامل بين جميع الأطراف لمواجهة الأفكار المتطرفة.

وترى أن مواجهة التطرف تتطلب اتباع عدة محاور أساسية، أولها: التربية الأسرية والتى يجب أن تكون التربية فيها معتدلة من الأساس، لأنها حجر الزاوية فى بناء شخصية سوية قادرة على مواجهة أى أفكار دخيلة، والامر الثانى هو التعليم وذلك الأمر يحتاج لضرورة إعادة مادة التربية الدينية كمادة أساسية فى المدارس والجامعات، مع التركيز على المنهج الدينى الصحيح الذى يرسخ مبادئ الاعتدال والوسطية، بعيدًا عن التشدد أو التسيب وأخيراً الإعلام والفن عن طريق تبنى وسائل الإعلام والدراما والسينما مسئوليتها فى معالجة قضية الاعتدال بشكل واعٍ ومؤثر، وتقديم برامج توعية للأهالى والشباب فى كل المراحل العمرية.

وتكمل أن الإنسان يتأثر بالعديد من العوامل بعد الأسرة، مثل الأصدقاء، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات المختلفة، ولهذا لا يمكن إهمال أى جانب منها.. وتحذر من خطورة الوضع الحالى الذى يتطلب مضاعفة الجهود، حيث لم يعد يكفى التعاون بنسبة 100% كما فى الماضى، بل أصبحنا فى حاجة ماسة إلى جهود تفوق ذلك بكثير لمواجهة الحروب النفسية والفكرية التى أصبحت أكثر انتشارًا فى ظل الانفتاح الحالى.

وتختتم كلامها مؤكدة أن الهدف الأسمى هو «إعادة بناء إنسان سوى ومعتدل»، وهذا لن يتحقق إلا من خلال منظومة متكاملة تشمل الوعي، والتعليم، والإعلام، والفن، والتربية، وكل ما يسهم فى تشكيل وعى الإنسان.