د. مصطفى محمود يكتب: في ذكرى الحبيب.. مولد غير مجرى التاريخ برسالة لا تنطفئ

د. مصطفي محمود
د. مصطفي محمود


ليس في تاريخ البشرية يوم أبهى ولا أنقى من ذاك اليوم المبارك الذي أشرقت فيه شمس الهداية على قلوب الناس، يومٌ حمل للوجود أعظم مولود وأكرم مبعوث، سيد الخلق وحبيب الحق، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ففي الثاني عشر من ربيع الأول، بزغ نور الرحمة الإلهية في بيتٍ متواضع من بيوت مكة، فكان مولده فاتحة عهدٍ جديد بين الأرض والسماء، ومطلع رسالةٍ خالدة ستظل تهدي الأجيال جيلاً بعد جيل.

لقد جاء ميلاده الشريف إيذانًا بانتصار القيم على الأهواء، وبزوغ فجر الأخلاق على ركام الجاهلية. فهو القائل صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فكان المعلّم والقدوة، والهادي إلى سواء السبيل. وجاء القرآن الكريم ليشهد برسالته الخالدة إذ يقول الحق تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. فمولده ليس حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل هو بداية مسيرة إنسانية ارتقت بالروح والعقل معًا.

وإذا كان الناس في شتى بقاع الأرض يحتفلون بذكريات زعمائهم وعظمائهم، فإن المسلمين يجدّدون في مولد نبيهم العهد مع رسالته، ويستحضرون سيرته العطرة كي يزدادوا به تعلقًا واقتداءً. وإن تعبيرهم عن فرحتهم بهذه المناسبة العظيمة لم يكن قط بدعة في الدين، بل هو إحياء لروح المحبة والوفاء. فالمسلمون يجتمعون على تلاوة القرآن، وإنشاد المدائح، وذكر الشمائل النبوية، والتصدق على الفقراء، وكلها صور صادقة من صور المودة لخير البرية.

وليس أصدق من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حين كان يصوم يوم الإثنين، ولما سُئل عن ذلك قال: «ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه». فما أروع أن يكون احتفال الأمة بهذا اليوم اتباعًا لما شرّفه به رسولها، تجديدًا لذكرى الميلاد، واستحضارًا لرسالة الهداية.

فالاحتفال بالمولد النبوي إذن ليس طقسًا شكليًا، بل هو معنى روحي عميق، يحمل في جوهره دعوة إلى مراجعة النفس، والعودة إلى القيم التي دعا إليها النبي الأكرم. إننا حين نقرأ قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21] ندرك أن معنى المولد لا يكتمل إلا حين نستلهم من سيرته منهجًا للحياة، لا مجرد ذكرى تُروى أو احتفالٍ يُقام.

وإذا كانت ملائكة السماء قد أُمرت بالصلاة على النبي الكريم، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. أفلا يكون من الوفاء أن تلهج قلوبنا بالصلاة والسلام عليه في كل حين، لا سيما في يوم مولده المبارك، حيث يتجدد الوعي بمعنى الرسالة العظمى، ويشرق في القلوب نور الطاعة والمحبة؟

أيها القراء الكرام، إن المولد النبوي الشريف فرصة لأن نعيد النظر في أنفسنا، فنقيس أفعالنا على هدي النبي، ونزن أقوالنا بميزان أخلاقه، ونستحضر في تعاملاتنا رحمته وعدله. فما أحوج أمتنا اليوم إلى أن تستلهم من رسولها القوة على مواجهة التحديات، والحكمة في إصلاح ذات البين، والرحمة التي تعصم القلوب من الغل والبغضاء.

اللهم صلّ على سيدنا محمد بدر التمام، وصباح الظلام، ومفتاح دار السلام، وشمس دين الإسلام، صلاةً دائمة متصلة إلى يوم الدين. وكل عام وأنتم بخير، وأمة الإسلام في عزّة وخير ورشد. آمين .