مع حلول المولد النبوي الشريف، تعود إلى الذاكرة واحدة من أقدم وأجمل عادات المصريين: “عروسة المولد”. ليست مجرد قطعة حلوى تُصنع من السكر، بل طقس شعبي ارتبط بالاحتفال بمولد النبي محمد ﷺ، يحمل بين تفاصيله رموزًا سياسية واجتماعية ودينية، ويُجسد قدرة المصريين الفريدة على تحويل المناسبات الدينية إلى أعياد تمتلئ بالبهجة والهوية.
“عروسة المولد” ليست عادة عابرة؛ هي سطر من سطور الشخصية المصرية، مزيج بين الذكاء الشعبي والقدرة على المقاومة بالفرح، بين التديّن الفطري وروح الفكاهة، بين احترام المناسبات وتحويلها إلى مساحة للحرية.

اقرأ أيضا| الإفتاء: الاحتفال بذكرى المولد النبوي أمر مشروع بالكتاب والسُّنة
الحكايات حول أصل “العروسة” تعددت، وكل رواية تفتح بابًا لفهم أعمق لعلاقة المصريين بالسلطة والاحتفال.
الرواية الأولى تحكي أن أحد الخلفاء الفاطميين خرج في موكب للاحتفال بالمولد النبوي بصحبة زوجته، فانطلق صُنّاع الحلوى لتخليد المشهد بطريقتهم؛ صنعوا عروسة سكر مزينة تشبه الزوجة، وفارسًا على حصان يرمز للخليفة. هكذا ظهرت العروسة والفارس كرمزين للفرح الرسمي الذي تحوّل إلى عادة شعبية.
أما الرواية الثانية، فتُشير إلى أن الخليفة الحاكم بأمر الله أصدر قرارًا بأن لا يتم الزواج إلا في موسم المولد النبوي، فصار المولد موعدًا للفرح، وللخطوبة والزفاف، وأصبح من المعتاد أن يهدي العريس لعروسه “عروسة حلاوة” مزينة بفستان أبيض رمزًا للزفاف، والفارس هدية تُعطى للصبيان رمزًا للقوة والفروسية.

لكن الرواية الثالثة ربما تكون الأقرب إلى روح المصريين؛ إذ تقول إن الحاكم الفاطمي أصدر أمرًا يمنع أي احتفالات إلا احتفال المولد النبوي، غير أن المصريين، بطريقتهم المعتادة في المقاومة المستترة، رفضوا أن تُلغى أفراحهم، فحوّلوا كل زفاف إلى يوم المولد، وابتكروا “العروسة” و“الفارس” كرموز تُخفي وراء السكر حكاية عن إرادة شعب يقاوم القيود بالبهجة، وعن مجتمع يخلق من الفرض بابًا للحرية، وعن فرح لا يُلغيه قرار سلطوي.
اقرأ أيضا| فوائد الاحتفال بذكرى مولد النبيﷺ
ومع مرور القرون، تغيّر شكل “عروسة المولد” كما تغيّرت مصر نفسها، لكن بقي المعنى واحدًا. كانت العروسة في البداية تُصنع من السكر الأبيض، تُزيَّن بأشرطة ملوّنة، وتُرصّع بقطع من ورق “الكورنيش” اللامع، رمزًا للبَهجة. ثم تطورت صناعتها، فاستُبدل السكر بالبلاستيك، ثم ظهرت العرائس القماشية المزخرفة، وأخيرًا انتشرت العرائس الحديثة المزيّنة بالفستان الأبيض المطرّز والطرحة الطويلة، حتى باتت تُشبه عرائس “الباربي” العالمية، لكن بروح مصرية خالصة. هذا التحوّل لم يُلغِ رمزيتها، بل جعلها مرآة تعكس ذوق كل عصر، وتؤكد أن المصريين قادرون على حفظ التراث، مع تطوير شكله ليناسب الأجيال الجديدة، دون أن تفقد العروسة مكانتها كأيقونة تجمع بين الفرح والذاكرة.

واليوم، ومع كل موسم للمولد النبوي الشريف، تعود “عروسة المولد” لتحرك الأسواق وتعيد نبض البهجة في الشوارع. يفرح الأطفال بالعروس والفارس، وتتنفس البيوت رائحة قديمة من التراث المصري، فيتجدد رابط خفي بين الأجيال، يجمعهم حول رمز واحد بسيط في شكله، عميق في معناه، يختصر ألف عام من التاريخ في لمسة سكر، وابتسامة طفولة، وذاكرة وطن لا يتخلى عن فرحه مهما تبدلت العصور.

عملية جراحية نوعية لمريض فلسطيني بالمستشفى العائم بالعريش
إنقاذ طفلة من الاختناق بـ«قشر لب» في مستشفى النصر ببورسعيد
جامعة العريش بيت الخبرة الداعم للتنمية وخدمة المجتمع







