محمد كمال
بين الأدب والسينما أقام نجيب محفوظ طريقًا قلما يتكرر تاريخيًا وعالميًا. كان حلقة وصل شديدة الترابط بينهما، وصاغ لغة بصرية عبر الأدب، جعلت الشاشة الفضية مرآة تعكس صورة المواطن المصري البسيط، ولما لا، فهو أديب نوبل، الذي تحل هذه الأيام ذكرى وفاته في 30 أغسطس عام 2006، والذي يُعد إسهامه في السينما لا يقل قيمة عن إسهامه في الأدب. يكفي دوره الكبير في إعادة تعريف دور السيناريست، وكان صاحب أول نقلة لتجربة الواقعية في السينما المصرية، إذ ارتبطت أعماله بالواقعية ارتباطًا وثيقًا.
تجربة نجيب محفوظ مع السينما سارت في ثلاثة محاور: الأول وهو الأشهر، يتمثل في رواياته التي حولتها السينما إلى أفلام منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، والثاني كتابته للسيناريو والحوار والتي كان له فيها السبق في خمسينيات القرن الماضي، والثالث المزج بين الأمرين في مرحلة لاحقة.
لذلك فإن الإرث السينمائي الذي تركه أديب نوبل يمثل علامة خالدة، ليس للسينما المصرية فحسب، بل للعربية أيضًا. وكما وصفه الناقد اللبناني الكبير إبراهيم العريس: «أديب السينمائيين، وسينمائي الأدباء». ورغم وفاته عام 2006، فإن حضوره الإبداعي لم ينقطع، إذ لا تزال العديد من أعماله المأخوذة عن رواياته تُقدَّم في الدراما المصرية، مثل مسلسل «أفراح القبة» عام 2017، و«بين السما والأرض» عام 2021.
أفلام نجيب محفوظ، سواء التي كتب لها السيناريو والحوار أو المأخوذة عن رواياته، قدّمت بانوراما لتاريخ مصر وتحولاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى الألفية الجديدة. حملت هذه التجربة عمقًا إنسانيًا، وغاصت في نفس المواطن المصري لتعبّر عن همومه وأوجاعه وأحلامه، وعلاقته بالدولة. أبطاله لم يكونوا ملائكة ولا شياطين، بل بشرًا عاديين يتصارعون مع الفقر والسلطة والقدر.
كانت تجربة نجيب محفوظ ملهمة للمخرج صلاح أبو سيف، «رائد الواقعية»، ليتشارك معه في نقل هذه التجربة إلى الشاشة. فلم يكن لهذا النوع من السينما أن يبرز في مصر لولا وجود نجيب محفوظ، الذي تميز بقدرته على التعبير عن الواقع المصري بكل تفاصيله الدقيقة في مختلف المراحل والعصور، خاصة هموم الطبقات الدنيا، والأهم الطبقة الوسطى التي كانت تمثل هاجسه الأكبر، إذ كان يعتبرها «رمانة الميزان» أو حلقة الوصل بين الطبقة الحاكمة والأرستقراطية وبين عامة الشعب. وكان قد تنبأ بأن انحسار دورها سوف يؤثر سلبًا في هوية الدولة المصرية.
النقطة الثانية في أثر نجيب محفوظ السينمائي كانت الرمزية في التعبير، وهي اللمسة الأبرز في أعماله، إذ اعتاد المبدعون المصريون أن يعجزوا عن توظيف الرموز في الدراما، بخلاف محفوظ الذي برع فيها.
أما النقطة الثالثة فتمثلت في صياغته للأعمال الملحمية التي تقوم على تعاقب الأجيال، مما أكسبه قدرة كبيرة على رسم الشخصيات وتحديد مسارات تطورها عبر الزمن. والنقطة الرابعة كانت المزج بين الخاص والعام في أزمات أبطاله.
وقد حرص نجيب محفوظ على ألّا يشارك في كتابة سيناريوهات رواياته، لقناعته بأن لكلٍ دوره، ولرغبته في ترك مساحة للسيناريست للتجريب وتقديم رؤية مختلفة عند تحويل النصوص إلى سينما. وهكذا عكست أعماله، ككاتب سيناريو وروائي، الحالة السياسية والاجتماعية للمواطن البسيط، واستطاع أن يشرّح المجتمع بأسلوب جمع بين البساطة والبعد الفلسفي. وقد ساعدته نشأته في حي الجمالية، ووقوفه شاهدًا على ثورة 1919 وهو طفل في السابعة، والتحولات الكبرى التي شهدتها مصر لاحقًا، على بلورة هذه الرؤية.
صدرت أولى روايات نجيب محفوظ عام 1938 بعنوان «عبث الأقدار»، وقد أعجب بها المخرج صلاح أبو سيف وقرر أن يتعاونا في كتابة السيناريو من خلال فيلم «مغامرات عنتر وعبلة» عام 1948. ويقول محفوظ عن ذلك: «صلاح أبو سيف هو الذي علّمني كيف أكتب السيناريو، وهو صاحب الفضل عليّ، ولولاه ما كتبت ورقة واحدة للسينما».
كان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 فرصة ذهبية لانطلاقه إلى آفاق الشهرة العالمية كأديب وروائي مصري، مما لفت أنظار صناع السينما العالمية إلى رواياته، فقدم بعضها في تجارب عالمية. ففي عام 1988 منح الرئيس حسني مبارك نجيب محفوظ قلادة النيل العظمى، أرفع وسام في الدولة، عقب فوزه بجائزة نوبل للآداب. ومنذ ذلك الحين بدأت السينما العالمية تغازل أديبنا، فقدّم المخرج المكسيكي أرتورو ريبيستين رواية «بداية ونهاية» في فيلم مكسيكي عام 1993، ثم جاء المخرج خورخي فونز عام 1995 ليقدم رواية «زقاق المدق» عبر فيلم «زقاق المعجزات»، وكتب له السيناريو فيسنتي لينيرو، وقامت ببطولته النجمة المكسيكية الأمريكية سلمى حايك التي جسدت شخصية حميدة تحت اسم «ألما».
ولد نجيب محفوظ في حي الجمالية عام 1911، وكان والده موظفًا بسيطًا، وكان نجيب أصغر أبنائه. التحق بجامعة القاهرة عام 1930 وحصل على ليسانس الفلسفة، وبدأ في إعداد رسالة ماجستير عن الجمال في الفلسفة الإسلامية، لكنه عدل عن ذلك وركز على الأدب. عمل سكرتيرًا برلمانيًا بوزارة الأوقاف بين عامي 1938 و1945، ثم مديرًا لمؤسسة القرض الحسن في الوزارة حتى 1954، ثم مديرًا لمكتب وزير الإرشاد. بعدها انتقل إلى وزارة الثقافة حيث عمل مديرًا للرقابة على المصنفات الفنية، ثم مديرًا عامًا لمؤسسة دعم السينما عام 1960، ثم مستشارًا للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتلفزيون. وكان آخر منصب حكومي شغله هو رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما بين عامي 1966 و1971.

ومن الطرائف المعروفة عن أديب نوبل عشقه لنادي الزمالك، الذي بدأ منذ شبابه متأثرًا بالنجم حسين حجازي حين كان النادي يُسمى «المختلط». وقد ظل انتماؤه للفارس الأبيض ثابتًا لم يتغير ولم يتبدل طوال حياته.
اقرأ أيضا: متحف نجيب محفوظ يفتتح مركز الإبداع
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







