أما قبل

دموع للبيع !

داليا جمال
داليا جمال


منذ متى صار الخير إعلانًا مدفوع الأجر؟ منذ متى تحولت «سقيا الماء» و«ازرع نخلة» و«انقذ أهل غزة»، إلى أفيشات تسويقية يتصارع عليها نَصّابون بربطات عنق لامعة؟

اليوم، لم تعد التبرعات عملًا خيريًا صامتًا، بل صارت مشروعًا استثماريًا تُدار له حملات دعائية بآلاف الجنيهات، لتدرّ الملايين على جيوب «المنقذين الوهميين»، كل إعلان دموع، كل إعلان طفل يتضور جوعًا، وكل إعلان موسيقى حزينة تستنزف جيب المواطن الطيب الذى يصدق أن رسالته بخمسة جنيهات ستروى عطش قارة كاملة!

الحقيقة؟ كذبة كبرى.

الماء لا يصل، والنخلة لا تُزرع، وكرتونة الطعام لا تعبر الحدود، وحدها الحسابات البنكية تنتفخ، والسيارات الفارهة تزداد، والفلل الجديدة تُشطب على أحدث موضة.

ثم يطلون علينا بوجوه ناعمة وأصوات رخيمة: «لا تتركوا أهل غزة يجوعون».

المشهد الأكثر وقاحة جاء على لسان أحد رجال الأعمال المصريين أثناء زيارته لباريس، حيث التقى بشخص عبر الفيس بوك يَدَّعى إدارة حملة لجمع التبرعات لإنقاذ أطفال غزة من الجوع.

الرجل قال له بلا خجل: «أنت أهل ثقة، وعندك متابعون كثيرون… تعاون معنا وافتح باب التبرعات على صفحتك واترك لنا الباقى، وسنصور مشاهد تدل أن التبرعات وصلت للأطفال ونقسم المبالغ معاك»

وعندما اعترض رجل الأعمال لأنه يعلم جيدًا أنه لا يوجد أى وسيلة حقيقية لإيصال الطعام لغزة عبر هذه القنوات، جاء الرد الجرىء: «سيب لنا الأمور، وانت اكتفِ بالدعاء والمتابعة!».

هذا المشهد يكشف ببساطة حجم الإجرام الأخلاقى، وأن ما يحدث اليوم ليس صدقة.. بل نصب مُغلّف بالرحمة، وسرقة مُحاطة بالآيات والأحاديث، لعبة قذرة يجيدها سماسرة الدين وتُجار الأزمات.

لكل مَن لازال يصدق هذه المسرحيات: انتبهوا، فأموالكم لا تروى عطشًا ولا تشبع جوعًا، بل تروى حسابات فى الخارج، وتُشبع شهوة جشع المحتالين.
الخير الحقيقى لا يُعلن عنه، ولا يحتاج لمذيع يبكى أمام الكاميرا، الخير الحق يصل فى صمت، بعيدًا عن هوجة الإعلانات التى تحولت إلى مقبرة للأخلاق.