بعد إصابته في حادث اضطر سيد فاروق إلى ترك عمله كبائع متجول، وبينما كان يعيد ترتيب أفكاره ويبحث عن مخرج ينهي معاناته قرر أن يتجه إلى مهنة شريفة تحفظ كرامته وتؤمن قوت أسرته المكونة من أربعة أفراد. اختار أن يكون ماسح أحذية، مفضّلًا ذلك على استغلال إصابته في التسول.

منذ خمسة وعشرين عامًا أصبح علامة مميزة في ميدان الإسعاف، بالقرب من محطة مترو جمال عبدالناصر. مرّ أمامه يوميًا عشرات الآلاف من البشر، ومن الصدف أن موقعه كان أحيانًا تحت لوحات إعلانات كبار نجوم الطرب، وكان الناس يتواعدون للقاء أسفل تلك اللوحات، ويصفون مكانه بوجود ماسح الأحذية.
◄ اقرأ أيضًا | حكايات| شرف للرجال والنساء.. «صيصة» ماسحة الأحذية المتنكرة تغزو السوشيال
سيد ليس ماسح أحذية فقط، بل هو قارئ جيد، كان يمتلك مكتبة تضم أمهات الكتب، مثل مؤلفات القرطبى وابن القيم، وكتب الإمام الشافعى وأهل السنة.. حفظ معظم صفحاتها، لكن مع ضيق المساحة تبرع بها لمسجد قريب من الميدان، معتبرًا ذلك «صدقة علم»، ترك الدراسة فى السنة الأخيرة من دبلوم التجارة بسبب ظروف عائلية، لكن الشارع لم يسرق ثقافته.
ورغم أن حياته كلها في الشارع، فإن سجله الجنائى ناصع البياض؛ لم يُحرر ضده أى محضر أو قضية. يؤمن بأن الاستقامة تنقذ الإنسان من شرور الدنيا. يبدأ يومه فى السادسة صباحًا دون كلل أو ملل، مدركًا أن عمله قد يراه البعض بسيطًا، لكن زبائنه من المحامين والصحفيين والأطباء ورجال الشرطة يميزهم من ملامحهم وهيئتهم، ولا يتكلف فى الحديث مع أحد وليس لديه تسعيرة محددة، بل يترك للزبون حرية الدفع.

أربع قطط تعيش في الميدان ارتبطت به، فهى تلتف حوله كلما فتح صندوقه. يشترى لها الطعام يوميًا من رزقه، ولا يغادر مكانه مساءً إلا بعد أن يجهز لها العشاء. وعندما يسأله جيرانه من الباعة عن سبب اهتمامه بها، يبتسم قائلًا: «ارحم تُرحم… القطط مخلوقات ضعيفة خلقها الله، ولها نصيب من رزقي».
وعن أمنيته فى الحياة، يقول سيد: «الحمد لله، ليس لى مطالب كبيرة، كل ما أرجوه أن يعينني الله على ستر ابنتي عند زواجها، ولا أريد أن يُكسر خاطرها عندما يطرق بابنا العريس المنتظر».
سيد فاروق راضٍ بما قسمه الله له، ويصرف معاش «تكافل وكرامة» الذى بدأ فى الحصول عليه في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. يختم حديثه بابتسامة هادئة: «الحمد لله… أنا راضٍ بحالى».

حكايات مصرية خالدة.. كيف حفظ الزمن رسالة ابن لوالده لآلاف السنين؟
«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية







