رأى أستاذ دراسات السلام والنزاع في جامعة أوبسالا السويدية، أشكوك سوين، أن أوروبا "لم تأتِ إلى واشنطن كشريك في المفاوضات مع الولايات المتحدة، بل جاءت لتتوسل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألا يعقد صفقة أحادية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا".
وذكر الكاتب في مقال تحليلي -نشرته شبكة "يورو نيوز" الأوروبية اليوم الجمعة أنه عندما عاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الأسبوع إلى البيت الأبيض، لم يكن وحده. فقد رافقه وفد أوروبي غير مسبوق ضم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والأمين العام لحلف الناتو مارك روته.
وأوضح الخبير السويدي أن الصورة التي ظهر فيها القادة الأوروبيون في المكتب البيضاوي كانت لافتة للانتباه ومهينة في آن واحد: "حيث اصطفوا في نصف دائرة وكأنهم تلاميذ أمام مدير المدرسة. لم يكن المشهد عرضًا للقوة الاستراتيجية، بل كان تجسيدًا لضعف أوروبا المستمر وازدياد اعتمادها على الولايات المتحدة، والأسوأ من ذلك، على مزاج رئيس يحرص على تذكير حلفائه بموقعهم الأدنى".
وقال الخبير السويدي: "رغم سعي القادة الأوروبيين لإظهار جبهة موحدة في دعمهم لأوكرانيا خلال الأشهر الماضية، فإن زيارتهم العاجلة إلى واشنطن لم تكن إلا محاولة لوقاية زيلينسكي من تعرّضه لإحراج جديد بعد مواجهته المحرجة مع ترامب في فبراير الماضي. وقد اختاروا هذه المرة أن يحيطوه بجدار من الزعماء الأوروبيين كوسيلة دفاع رمزية، وهي خطوة حققت هدفها المحدود".
◄ اقرأ أيضًا | زيلينسكي: لقاء بوتين قد يكون في سويسرا أو النمسا أو تركيا
وارتدى زيلينسكي بدلة رسمية بدلًا من الزي العسكري، وهو الزي الذي انتقده ترامب وحاشيته في آخر لقاء بينهما. كما سلّم رسالة شخصية من زوجته إلى ميلانيا ترامب، وتفاعل مع نبرة ترامب الأكثر هدوءًا هذه المرة. أما ترامب، فقد اكتفى بتقديم تصريحات غامضة حول "ضمانات من نوع المادة 5" دون التطرق إلى عضوية أوكرانيا في حلف الناتو.
ولفت الخبير إلى أن "هذه المسرحية لا يجب أن تخدع أحدًا. فهدف الزيارة كان احتواء تقلبات ترامب، والتأكد من أنه، بعد لقائه المبتسم مع بوتين في ألاسكا، لن يتخذ قرارًا مفاجئًا باعتبار أوكرانيا عبئًا يمكن التخلي عنه. وكان أعظم إنجاز دبلوماسي لأوروبا في واشنطن هو احتواء الأضرار".
وتمثّلت الوعود العلنية التي أسفر عنها اللقاء في تقديم ضمانات أمنية بالتنسيق مع أوروبا. غير أن سوين يرى أن هذه الضمانات، في غياب تفاصيل واضحة، ليست أكثر من كلمات جوفاء. متسائلًا: من الذي سيتولى تنفيذها؟ ومن سيقوم بإرسال القوات؟ ومن سيتكفل بتأمين الأجواء والموانئ الأوكرانية؟ لا أحد يملك إجابة.
وأشار إلى أن أوروبا غير قادرة على الردع أو الحماية بدون الولايات المتحدة. بل ولا تملك ما يكفي من الأسلحة، ولا الثقل الدبلوماسي، ولا حتى الوحدة السياسية اللازمة لمواجهة روسيا، واصفا "قوة الطمأنة الأوروبية" بأنها لا تعدو كونها استعراضًا شكليًا بدون مشاركة أمريكية، مؤكدا "ترامب يعرف ذلك، ولهذا يطلق وعودًا فضفاضة بينما يفرض شروطه".
واللافت أيضًا، حسب الكاتب، هو ما لم يُقال في واشنطن. فقد تحدثت تقارير في الأسابيع الأخيرة عن احتمال أن يكون ترامب وبوتين قد ناقشا "مبادلة أراضٍ" على طول خطوط الجبهة الحالية، بما يكرّس سيطرة روسيا على أجزاء من دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريجيا. ورغم أن العواصم الأوروبية كررت مرارًا أن حدود أوكرانيا لا يمكن تغييرها بالقوة، لم يجرؤ أي من القادة على مساءلة ترامب علنًا في المكتب البيضاوي. بدلًا من ذلك، تفادي الرئيس الأمريكي الموضوع قائلاً إن "الأرض مسألة تخص أوكرانيا"، وهي عبارة بدت مبدئية، لكنها فعليًا تفتح الباب أمام قبول ضمني لمطالب موسكو.
ويضيف الكاتب: "هذه هي الإهانة الأعمق: أوروبا ترفع شعار الاستقلالية الاستراتيجية، لكنها في الواقع لا تزال تتصرف كأنها محمية أمنية تابعة للولايات المتحدة. فبينما يتحدث ماكرون عن ضرورة عدم إظهار الضعف أمام روسيا، فإن الضعف الحقيقي يكمن في اعتماد أوروبا الكامل على الإرادة الأمريكية. فلم يأت القادة الذين قطعوا المحيط الأطلسي لصياغة نتائج أو قرارات، بل لمحاولة استرضاء ترامب، والثناء عليه، والابتسام أمام الكاميرات، وتجنّب الخلافات. كانت وحدة الأوروبيين أشبه بوحدة المتوسلين، لا الشركاء" -على حد وصف الكاتب.
وهذا الاعتماد، كما يقول سوين، ليس مؤقتًا بل هيكلي. فمنذ عام 2022، زادت أوروبا من دعمها لأوكرانيا، لكنه لا يزال ضئيلًا مقارنة بالدعم الأمريكي. حتى التحول الدفاعي الذي أعلنت عنه ألمانيا لم ينتج تأثيرًا رادعًا ملموسًا حتى الآن. وبدون أمريكا، يظل الناتو كيانًا فارغًا، والجميع يدرك ذلك.
وهذا الواقع يمنح ترامب نفوذًا هائلًا، يمكنه من التهديد بفرض رسوم جمركية، أو السخرية من الحلفاء، أو مغازلة روسيا، وفي الوقت ذاته انتزاع الطاعة الأوروبية، لأنهم ببساطة لا يستطيعون حماية أنفسهم بدونه -على حد قول الكاتب.
ويختتم الكاتب بالقول إن ما جرى في واشنطن لم يكن اختراقًا دبلوماسيًا بقدر ما كان "مسرحًا للتبعية"، حيث قابل القادة الأوروبيون وعود ترامب بالترحيب وكأنها مكسب، بينما كانوا في الواقع يصفقون لافتقارهم إلى البدائل. فعندما يتوقف مصير أوكرانيا، وبالتالي أمن أوروبا بأكملها، على ما إذا كان ترامب سيفي بكلمته، ينكشف التحالف عبر الأطلسي على حقيقته: علاقة غير متوازنة يقف فيها قادة أوروبا في موقع المتوسلين لا الشركاء.
وكما يوضح سوين، "المأساة أن أوروبا واعية تمامًا لهذه الحقيقة، وتدرك أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تزال مجرد شعار فارغ من المضمون. ومع ذلك، تواصل الاصطفاف في واشنطن، على أمل ألّا يتخلى عنها ترامب، وألّا ينفلت بوتين، وأن تكفي الضمانات الأمريكية، رغم غموضها، لحمايتها. وهذه ليست استراتيجية بل إنها تبعية تتنكر في هيئة دبلوماسية".

وزير الدفاع الإسرائيلي يُشيد باتفاق لبنان.. وبن جفير يهاجمه
ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى 3526 شهيدًا
مجتبى خامنئي: إيران لن تتراجع عن موقفها تجاه إسرائيل







