لم يكن فرج فودة مجرد كاتب يسطّر الحروف على الورق، بل كان روحًا تمشى على قدمين، وضميراً يتقد فى زمن خنقته العتمة. كان عقلًا مسكونًا باليقين أن الحرية قدر لا يُستأذن فيه، وأن العقل أقدس عطايا الله للإنسان. كتب كما يكتب الأنبياء فى لحظات الوحي، بجرأة من يعرف أن الكلمة أثقل من الرصاص، وأن الحقيقة، متى نُطقت، تصدع عروش الزيف وتُربك جيوش الظلام.
فى مناظرته الشهيرة، جلس وحيدًا فى مواجهة جوقة من التكفيريين ، وحوله ضجيج الادعاء وصخب الشعارات. لم يزده الجمع رهبة، وزادهم خبالاً، بدا كمن يحمل مصباحاً صغيراً يبدد ليلاً كثيفاً. فضح خواءهم، وأسقط عنهم أقنعة التقديس الزائف. قالها واضحة: إن ما يسمونه «المشروع الإسلامي» ليس إلا قناعاً يتخفى وراءه الإخوان وأشباههم، لا لبناء أمة بل لهدم الدولة، لا لنصرة الدين بل لاختطافه وتوظيفه فى بازار السياسة.
وعندما أعجزهم منطقه، لم يجدوا إلا الرصاص. ظنوا أن الدم يخمد النور، وأن الجسد إذا سقط سقط معه العقل. لكنهم نسوا أن دماء الشهداء لا تجف، بل تتحول أنهاراً تفيض على الأحياء. سال دم فودة قرباناً على مذبح الحقيقة، فإذا به شعاع يتجاوز جسده، ويصبح كتاباً مفتوحاً للأمة، يفضح خرافاتهم، ويؤكد أن التنوير لا يُغتال.
لقد كتب عن «الحاكمية» بوصفها فخّاً نصبه المتطرفون لإسقاط الدولة، وأكد أن الدين لا يحتاج إلى أوصياء، وأن مصر أكبر من أن تُختزل فى فتاوى الموت. قال: إن الدولة المدنية هى سفينة النجاة، وإن الحضارة لا تُبنى بخرافة، ولا تُصان بالأكاذيب، بل بالحرية والعقل والعدل.
وحين سقط مضرجاً بدمه، لم يرحل فرداً، بل ارتقت معه أمة بكاملها إلى وعى جديد. لقد حاولوا إسكات صوته، فإذا بصوته يتردد فى كل عقل يرفض الوصاية، وفى كل قلب يعشق الحرية. صار دم فودة مرآة تذكّرنا بأن معركتنا ليست معركة جيل، بل قدر أمة ضد الظلام المتجدد.
واليوم، ونحن نخوض المعركة ذاتها، نرى أن نبوءته قد تحققت. فالإرهاب الذى أطلق عليه النار هو نفسه الذى فجّر الكنائس، واستهدف المساجد، وأسقط شهداءنا فى سيناء. هو ذاته الذى يطلّ علينا عبر منابر إعلامية مأجورة، محاولًا إعادة إنتاج ذات الوهم. ومع ذلك، يبقى فكر فودة شاهدًا على أن مصر لن تُساق إلى الكهوف، وأن الدم الذى سُفك باسم الله لا يمكن أن يغلب النور الذى خلقه الله.
إن مرثية فودة ليست بكاءً على غائب، بل وثيقة للتاريخ. وثيقة تقول: إن الأوطان لا تُبنى بالزيف، وإن النور أبقى من العتمة، وإن الكلمة تبقى حين يذوب الرصاص فى الصدأ.
سلام على فرج فودة حين يموت وحين يُبعث حياً، شهيد الكلمة والعقل، الذى لم يترك لنا مؤلفاتٍ وحسب، بل ترك دمًا صار مداداً خالداً يكتب سيرة مصر فى معركتها الأبدية مع خفافيش الظلام. سلام على دمه، الذى تحوّل من جُرح نازف إلى نهر من نور، يضيء للأحياء درب الحرية، ويذكّرنا أن الحقيقة، وإن غُيّبت، لا تموت.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







