العلاقات الاجتماعية والقرابة والنسب.. رأسمال اجتماعي يمكن تحويله إلى رأسمال رمزي ومالي.. كيف؟
كثيراً ما نسمع أو نقرأ عن الرأسمال الاجتماعي والرأسمال الرمزي والعنف الرمزي؟، يعتبر الفرنسي بيار بورديو Pierre Bourdieu (1930 - 2002)، واحداً من أهم علماء الاجتماع فى فرنسا والعالم فى نصف القرن الأخير، والذى اهتم بتوضيح ما المقصود بهذه المفاهيم فى السياق الاجتماعي والثقافى لأى مجتمع.
وفي إطار نظرية بوردو، هناك عدد من المفاهيم الأساسية، أهمها إعادة الإنتاج، والحقل، الرأسمال الرمزي، والرأسمال الاجتماعي، والعنف الرمزي، والهابتوس، والتحويلات، والانعكاسية، والفاعلين الاجتماعيين، والسلطة الرمزية.
يقول بوردو: «يمكن لرأسمال أن يقدم نفسه كرأسمال اقتصادي، يمكن تحويله بشكل فورى ومباشر إلى نقود.. ويمكن الحديث عن رأسمال ثقافى قابل للتحويل، فى ظروف معينة، إلى رأسمال اقتصادي، ويمكن إضفاء الطابع المؤسسى عليه فى شكل مؤهلات تعليمية؛ وكرأسمال اجتماعي، يتكون من العلاقات الاجتماعية - القرابة والصداقة الخ - والتى يمكن تحويلها، فى ظروف معينة، إلى رأسمال اقتصادي».
ويوضح بورديو أن الرأسمال الاجتماعى هو مجموع الموارد الفعلية أو المحتملة المرتبطة بامتلاك شبكة دائمة من العلاقات المؤسسية، مثل عضوية جماعة ما - حزب أو نقابة.. الخ - تزود كل فرد بامتيازات ومنافع عديدة. أما الرأسمال الرمزي، فيشير إلى الموارد غير المادية التى يمتلكها الأفراد أو الجماعات، مثل المكانة الاجتماعية، الشهرة، الشرعية، الاحترام، أو الاعتراف الثقافي، والتى تمنحهم نفوذًا وتأثيرًا فى المجتمع دون الحاجة إلى ثروة مادية مباشرة.
يُعتبر هذا النوع من الرأسمال شكلاً من أشكال القوة الناعمة التى تُكتسب من خلال التعليم، الانتماء الطبقي، أو السمعة الأخلاقية، ويمكن تحويله إلى أشكال أخرى من الرأسمال، مثل الاقتصادي أو الاجتماعي.
وفي السياق المصري، سنجد الأساتذة والمعلمين والصحفيين ورجال الدين والمشاهير، يمتلكون حصصاً مختلفة من الرأسمال الرمزي، ويستخدمها كل منهم لتعزيز نفوذه والتأثير فى مختلف المجالات، كما نجد أن النخب التي تجيد اللغات الأجنبية لديها حصة من الرأسمال الرمزى أكبر من غيرهم ، تتيح لهم التواصل مع العالم الخارجى والحصول على فرص عمل مرموقة .
وفي الريف المصري وفي السياقات التقليدية، تُعد صلات القرابة والنسب جزءًا من الرأسمال الاجتماعى بامتياز. فوجود شبكة عائلية قوية يتيح للفرد الوصول إلى الدعم، والحصول على موارد إضافية، علاوة على الفرص الاجتماعية، مما يرفع من موقعه الاجتماعي. وغالباً ما يُنظر للعائلة والنسب، باعتبارهما أشكالًا من الرأسمال الاجتماعي. وإن حصل الاعتراف المجتمعى أو التقدير على أساس هذه الصلات، فإن هذه العلاقة تمتد إلى بعد رمزى أيضًا، أى تتحول إلى رأسمال رمزي.
وعلى سبيل المثال فى 15 مارس 1939، تزوّجت الأميرة فوزية من مصر (ابنة الملك فؤاد الأول وأخت الملك فاروق) من ولى عهد إيران محمد رضا بهلوي، الذى أصبح فيما بعد شاه ايران، وأطاحت به الثورة الإيرانية عام 1979، وعاش ومات فى القاهرة عام 1980. وكان هذا الزواج مدبّراً سياسيًا لتعزيز مكانة الأسرة الملكية المصرية، وبناء تحالف بارز فى الشرق الأوسط؛ إذ منحت قوة رمزية لمصر وإيران، وأضفت على النظام الملكى المصرى شرعية ومصداقية فى مواجهة النفوذ البريطاني، وبالتالي، صارت هذه القرابة رأسمالًا رمزيًا يعزز مكانة الدولة وموقعها الرمزى على الساحة الإقليمية.
ويمكن القول أيضاً أن زواج الملك فاروق من السيدة صافيناز (التى صارت الملكة فريدة) فى 20 فبراير 1938، قد منح أسرة صافيناز ذو الفقار سلطة اجتماعية ورمزية كبيرة، فقد كانت ابنة قاضٍ مرموق ذى أصول مصرية، لكن قبل الزواج، نال والد العروس لقب «باشا»، وحصل على مهر ضخم يبلغ 10 ملايين قرش؛ كما عُيّن بعد ذلك سفيرًا لمصر فى إيران، ولا شك أن هذا الزواج - من امرأة من الطبقة الوسطى المصرية - كان له أثر رمزى واضح، إذ ساهم في تحسين صورة الملك لدى الشعب، وقدّم رسالة اجتماعية تفيد بأن الملكية ليست منفصلة تمامًا عن الناس العاديين، مما منح فاروق نوعًا من الرأسمال الرمزي القائم على شعبية وشرعية اجتماعية مضافة.

التوافق لشركاء نهر النيل وتأمين القرن الإفريقى
صدمة الحليف!
طفرة فى جامعات مصر





