تمر غداً الذكرى الحادية عشرة على رحيل أحد أهم رسامى الكاريكاتير السياسى والاجتماعى فى العالم العربى، صانع البسمة.. الفنان الكبير مصطفى حسين، والذى رحل عن عالمنا فى 16 أغسطس 2014 تاركًا ثروة تشكيلية هائلة من الرسوم الكاريكاتورية، والصور الشخصية «البورتريهات»، والرسوم التوضيحية المصاحبة للمقالات، ورسوم الأطفال، وأغلفة الكتب، وتصميم الملصقات، وتترات المسلسلات والمسرحيات والأفلام، فضلًا عن الشخصيات التى أبدعها بالتعاون مع الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب، حيث مثلا معًا مدرسة فريدة استطاعا من خلالها ابتكار شخصيات من المجتمع المصرى عبرا بها عن أخطر وأهم القضايا، ومن هذه الشخصيات: عبد الله، وقاسم السماوى، وكمبورة، وعلى الكوماندا، ومطرب الأخبار، وعباس العرسة، وعبد الروتين.

ظهور مصطفى حسين
بدأ نجم الفنان مصطفى حسين فى الظهور عام 1952 من دار الهلال مثلما بدأ عملاق الكاريكاتير رخا أول أعماله.. فرسم بدايات أعماله فى مجلة (الإثنين والدنيا- المصور - الكواكب - ومجلتى الرسالة الجديدة والتحرير من عام 1952-1956)، وعندما صدرت جريدة المساء بدأ الرسم فيها عام 1956، واستمر فيها حتى عام 1963 وكان فى هذه الفترة يرسم أغلفة ملونة لمجلة Arab observe التى كانت تصدرها الدار القومية للطباعة والنشر، ثم انضم لمجلة آخر ساعة عام 1963 وعمل بها حتى عام 1974 قبل الانضمام لأسرة أخبار اليوم.
اقرأ أيضًا| كاريكاتير| بعد تشييد قصر ثقافة أبو سمبل الجديد على أحدث التقنيات
دراسة الفنان فى كلية الفنون الجميلة تعتبر من أهم العوامل التى ميزت وشكلت خطوطه، حيث إنه درس فى قسم التصوير بالكلية وهذا ساعده فى رسم وإتقان النسب التشريحية التى جعلته يتفوق على أقرانه فى ذلك الوقت واستطاع بريشته صنع تاريخ كبير مع الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب .. ارتباطًا نشأ وتحقق من أجل أخبار اليوم جسدا لنا أروع الأعمال التشكيلية مع أقوى الأفكار الساخرة داخل الصورة الكاريكاتيرية الواحدة.. فترات طويلة قضاها مصطفى حسين يرسم أفكار أحمد رجب ولكن كان له فترات أخرى بأفكاره هو.

مصطفى فى الأخبار
بدأ مصطفى حسين رحلته بالصفحة الأخيرة بالأخبار فى عام 1974 وبالتحديد كان أول كاريكاتير له بتاريخ 5 مايو 1974 حيث تناول الأوضاع السياسية والاجتماعية بسخرية شديدة وبدأ اسمه يلمع فى عالم الكاريكاتير الصحفى بخطوطه وريشتة وكان كاريكاتير مصطفى حسين بالصفحة الأخيرة بالأخبار هو أهم ما يميز هذه الجريدة الكبرى حيث كان يبحث عنه القارئ لما يحمله من نقد لاذع، فقد كان الرسم محملًا بكلمات الكاتب الساخر الكبير أحمد رجب فى معظم الأحيان، ومن وجهة نظرى أنه بقدر الدور الهام الذى لعبه أحمد رجب بالتعليق كان أيضًا الفنان مصطفى حسين له دور كبير لن يقل أهمية فى تجسيد وترجمة الكلمات بحرفية شديدة ميزته عن غيره فى ذلك الوقت.
اقرأ أيضًا| كاريكاتير| هروب إلى الشواطئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة ونصائح بعدم التعرض للشمس مباشرة
ومنذ بداية مصطفى حسين فى رسم الكاريكاتير تجده دائما يستطيع بأقل الخطوط أن يرسم ملامح الوجوه وينجح فى تجسيد ما يود أن يقوله صاحب الرسم وينقل إحساسه، سواء كان فرحا أو حزنا أو غضبا .. فكثيرًا ما نجد العديد من رسامى الكاريكاتير يضعون التعليق الذى يخرج من الشخصية المرسومة دون أن نشعر بما يود قوله.. وهذا ما نجده فى أعماله ومنذ أول رسم له.

الثنائى المبدع
يقول الكاتب الساخر أحمد رجب إنه كان يتابع أعمال مصطفى حسين التى تنشر بين الحين والحين فى آخر ساعة وأخبار اليوم، وذات يوم سأل الأستاذ بيكار عن رأيه فى مصطفى حسين فقال بيكار إنه أحسن رسام فى العالم أجمع، وكررها بيكار حتى لا تكون العبارة من باب المبالغة، وذهب أحمد رجب إلى مصطفى حسين وعرض الاشتراك معه فى عمل رسوم كاريكاتيرية للأخبار وأخبار اليوم، واعتذر مصطفى حسين بأنه قد يحسن الرسم، لكنه لا يعرف تأليف رسم ضاحك، فقال لمصطفى: ما رأيك أنا أفكر وأنت ترسم؟ وهذا ما تم بالفعل فى كاريكاتير الأخبار وأخبار اليوم الذى يشترك فيه الاثنان معًا.
غرامة أحمد رجب
كان اجتماع مصطفى حسين مع توأمه الكاتب الكبير أحمد رجب يوميًّا بمكتب الأخير فى الساعة الثانية عشر ظهرًا وكان هذا الموعد بمثابة الأسرار العسكرية التى لا يجرؤ أحد على اختراقها.. ساعة كاملة يجلسان معًا ليخرجا لنا كاريكاتيرًا ينتزع منا الضحكة وأحيانا الألم.. وفى أحد الأيام شاهدت مصطفى حسين ينزل من سيارته قبل الوصول لمبنى الأخبار بسبب ازدحام الشارع وتكدس السيارات به، وبالفعل ترك السائق وكان يخطو بسرعة لمحاولة اللحاق بالموعد المحدد مع أحمد رجب، وعندما سألته عن هذا الموقف رد بصوت منخفض وبابتسامة: أن أحمد رجب أتفق معه على دفع غرامة عن كل دقيقة تأخير عن الموعد المحدد.. وكل يوم بدفع غرامة تأخير!

اقرأ أيضًا| «مصطفى حسين» فى عيد الكاريكاتير
القذافى يهدده بالقتل!
نال الرئيس الليبى جانبًا كبيرًا من سخرية مصطفى حسين، فقد كان دائمًا يرسمه كالأطفال، وكان يعتبر القذافى تلك الرسومات بمثابة إهانة له كرئيس، وقد تسبب كاريكاتير مصطفى اللاذع للرئيس الليبى بمنع دخول جريدة الأخبار إلى ليبيا، كما رصد القذافى مبلغ مليون دولار للتخلص من مصطفى حسين، مما جعل الجهات الأمنية المصرية تفرض حراسة عليه بعد تأكدها بالفعل من التخطيط لاغتياله من جانب الرئيس الليبى، ومن المواقف الطريفة التى حكاها لى مصطفى حسين أنه ذهب لألمانيا عام 1978 فى أجازة اعتاد عليها سنويا كان يقضيها فى إحد القرى الريفية هناك، ولكن بجواز سفر مزيف باسم محمد المصرى، والطريف أن الجهات الأمنية المصرية هى التى قامت بعمل هذا الجواز خوفا على حياته من الاغتيال ولا ينكر مصطفى حسين أنه كان قلقا فى تلك الفترة من تصرفات القذافى التى كان يصفه بأنه «رئيس مجنون وممكن يعمل أى حاجة»، وقد استطاع الرئيس السابق مبارك أن يتوسط ويصلح بينهما فى إحدى زيارات القذافى للقاهرة، فقد اصطحب مبارك معه مصطفى حسين وأحمد رجب لاستقبال القذافى بمطار القاهرة وتم حل المشكلة.

بيكار ينقذه من هيكل!
كان مصطفى حسين يعشق أستاذه حسين بيكار الذى يعتبره مثله الأعلى ولما لا وهو من تنبأ له بالنبوغ عندما كان طالبا بكلية الفنون الجميلة، ولكن هناك سببًا آخر كان يحتفظ به مصطفى حسين لنفسه، فعندما تولى محمد حسنين هيكل رئاسة مجلس إدارة أخبار اليوم فى منتصف الستينات بجوار رئاسته لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام ذهب إليه بيكار ليهنئه على المنصب الجديد فقال له هيكل أنه يريد أن يختصر عدد العاملين بأخبار اليوم وسوف يبدأ بالرسامين وطلب من الفنان بيكار كشفًا بأسماء الرسامين وكان يضم الكشف آنذاك أسماء كبيرة أشهرها صاروخان ورخا ومنير كنعان وتلاهم مصطفى حسين أصغر الرسامين سنا واقترح الأستاذ هيكل الاستغناء عن مصطفى حسين، وكان رد بيكار كالصاعقة: ممكن ترفدنى أنا ولكن مصطفى حسين لأ، ده هايبقى أهم رسام فى مصر، فرد هيكل: لهذه الدرجة.. ووافق على استمرار مصطفى حسين الذى بالفعل كما تنبأ بيكار أصبح علامة فى تاريخ الكاريكاتير والصحافة المصرية والعربية والعالمية .. ويقول بيكار عن مصطفى حسين: إنه إنسان من الصعب اكتشافه فهو لديه طموح يفوق طموحات طلبة الكلية إذ تعدى التخصص الأكاديمى إلى الجماهيرى من خلال الصحافة .. يتمتع بنبوغ لا ينضب وقد فرض نفسه دون الحاجة إلى مساندة من أحد، وأنا سعيد أننى كنت واحدًا من أساتذته وبكل حب أقول أن قول مصطفى حسين أننى من اكتشفته هو تواضع منه!
حديث المستشفى
أجريت حوارًا مع داليا جابر زوجة مصطفى حسين عقب رحيله، سردت لى رحلة علاجه بولاية «ساوث كارولانيا» بجنوب أمريكا وجرعات الكيماوى، والفترة العصيبة التى عاشها مصطفى عقب استئصال الورم.. حيث انتظرته بمفردى ما يقرب من خمس ساعات حتى خرج من حجرة العمليات، وكيف أصبح مصطفى حديث المستشفى عقب قيامه برسم اسكتش لطبيبه المعالج «مارشيل» وكأنه فارس يقود جهاز الإشعاع.

ذكرت زوجة مصطفى حسين لى واقعة عن علاقته بتوأمه أحمد رجب، حيث قالت: كان هناك خلاف كبير بينهما، وكان المرض سببا لعودة العلاقة بعد توسط المقربين مثل أنيس منصور وفاروق جويدة وكمال الطويل وإبراهيم المعلم.. نعم العلاقة انقطعت لفترة ولكن عادت أقوى بكثير ولم لا .. وهو من بدأ معه رحلة الكاريكاتير بدار أخبار اليوم، والطريف هنا أن أحمد رجب هو من أقنع مصطفى حسين بالتحول من الرسوم التوضيحية إلى الرسوم الكاريكاتيرية وأيضًا هو من أقنع الكاتب الكبير على أمين بموهبته وبالفعل كانت نظرته فى محلها، وبعد أن عادت المياه لمجاريها وزوال الخلاف بين أحمد رجب ومصطفى حسين.. قال مصطفى: إن أحمد رجب أفضل منى بكثير فقد وقف بجانبى وقت مرضى ولم يلتفت لأى خلاف متذكرا علاقتنا الطويلة التى استمرت لسنوات طويلة، وكان مصطفى حسين يصف أحمد رجب بأنه كاتب ساخر يلم بخبايا وأسرار الكاريكاتير ولا ينقصه غير الرسم لكنى لن أتيح هذه الفرصة له، وكان أحمد رجب أثناء لقاء الصلح مع صديق عمره يكرر عبارة «مصطفى حسين أحسن رسام فى العالم» .. وكان أحمد رجب لا يستطيع الكتابة وقت مرض مصطفى حسين بل واعتكف فى منزله حزنا عليه ..
وقال: لن أعود لمكتبى إلا بعد أن أطمئن على مصطفى حسين.. ورحل الاثنان عن الحياة فى شهر واحد .. وإن كنا افتقدنا فنانًا عملاقًا قال عنه الفنان الكبير رخا: إن خطوط مصطفى حسين أجمل خطوط لرسام فى مصر والعالم العربى، ولكن عزاءنا أن المبدعين لا يموتون.

كاريكاتير: موجات الصقيع
كاريكاتير| نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على مستقبل الشرق الأوسط؟
كاريكاتير| النظام العالمى الجديد







