قضية ورأى

النظام الإعلامى العربى إلى أين ؟

د. محمد شومان
د. محمد شومان


د. محمد شومان

السوشيال ميديا والقنوات الأجنبية تتحدى الإعلام العربى.. ولابد من التطوير والتنويع فى المحتوى وإطلاق منصات رقمية عربية جاذبة للشباب 

منذ أكثر من ربع قرن، طرحت فكرة وجود نظام إعلامى عربى كإطار تصورى يتسم بالتفاعل بين مكوناته، وهى وسائل الإعلام فى كل بلد عربى والعمليات الاتصالية التى تتم عبر وسائل الاتصال الجماهيرى بين الدول أو الشعوب العربية. ويرتبط النظام الإعلامى العربى بالنظام الإقليمى العربى، بمعنى أن الأول هو أحد الأنظمة الفرعية داخل النظام الثانى، لكنه يتمتع باستقلال نسبى. ويتضمن النظام الإعلامى العربى ثلاثة أبعاد رئيسية هى: البعد الاتصالى والإعلامى بين الدول والشعوب العربية، وبعد ثقافى حيث تتم عمليات الاتصال والإعلام اعتمادًا على اللغة العربية ومكونات ورموز الثقافة العربية الإسلامية.
 ولعل أهم خصائص النظام الإعلامى العربى هى تشابه السياسات الاتصالية، وتوظيف الإعلام سياسيًا ودعائيًا وترفيهيًا على حساب بقية وظائف الإعلام، والتبعية الإعلامية والتكنولوجية للخارج، علاوة على ملكية الدولة أو هيمنتها على الصحافة والإذاعة والتليفزيون، مع وجود بعض أنماط الملكية الخاصة. وفى إطار النظام الإعلامى العربى توجد مجموعة من الفاعلين الرئيسيين هم:
1- الدول العربية.
2- منظمات العمل الإعلامى العربى من خلال جامعة الدول العربية، ويتسم أداؤها بالضعف الشديد لأسباب كثيرة لا يتسع المجال للوقوف عليها.
3- شركات القطاع الخاص التى تعمل فى مجالات الإعلام سواء من داخل الوطن العربى أو من خارجه. 
4- فاعليات المجتمع المدنى ذات الصلة المباشرة بأوضاع الإعلام والعاملين فيه كنقابات واتحادات الصحفيين والإعلاميين. 
5- دول أجنبية وإقليمية تمتلك وتدير فضائيات ومواقع ناطقة باللغة العربية، تعكس مصالح تلك الدول وتدافع عن سياساتها فى المنطقة العربية.
6- الإعلام الرقمى خاصة المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعى، والذى سمح لكل مواطن بإنتاج وتوزيع محتوى عبر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى، بدون ضوابط أو قيود، إلا ما تقرره خوارزميات الشركات التكنولوجية العملاقة التى تمتلك وتدير هذه المواقع.
كنت قد ناقشت فى عدد من البحوث أداء هؤلاء الفاعلين، ونقاط القوة والضعف لدى كل طرف، ولم أتطرق إلى وسائل التواصل الاجتماعى، التى لم تكن قد ظهرت قبل 25 عامًا، لكنها اليوم أصبحت لاعبًا مؤثرًا، وفوضويًا إلى حد كبير فى المشهد الإعلامى العربى. أيضًا كان عدد الفضائيات الأجنبية الناطقة باللغة العربية محدودًا، وتأثيرها ضعيف، بينما تضخم دورها كثيرًا فى السنوات العشر الأخيرة وصارت لاعبًا مؤثرًا يعبر عن دول لها مصالح فى المنطقة العربية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل والصين وروسيا وغيرهم. 
فى السنوات الخمس الأخيرة استمر الفاعلون الأربعة فى النظام الإعلامى العربى فى القيام بالوظائف التقليدية، كما استمرت الدولة وما يتبعها من مؤسسات ورموز فى لعب دور رئيسى ومهيمن داخل النظام العربى، بينما سجلت شركات القطاع الخاص نموًا ملحوظًا، بدعم كبير من الحكومات العربية. ويمكن القول إن التطور الرئيسى فى أداء النظام الإعلامى العربى تركز على التغطية الرياضية لمباريات كرة القدم المحلية والدولية وضخ مزيد من المحتوى الترفيهى خاصة الحفلات والمسابقات، بينما ظل المحتوى الأخبارى أقرب إلى الدعاية ويغلب عليه التوظيف السياسى، كما تراجع المحتوى التثقيفى فيما عدا البرامج الدينية. 
والملاحظ أن الزيادة العددية فى القنوات الفضائية العربية، وأغلب محاولات التطوير اقتصرت على جوانب فنية أو شكلية، ولم تشمل تعدد واختلاف الآراء أو نوعية البرامج والمضامين، واتسم الأداء بشكل عام بالبطء والنمطية، والظاهرة المحيرة أن ما تقدمه القنوات الفضائية التى تنطق باسم الدول العربية (الحكومية) يتشابه شكلًا ومضمونًا مع ما تقدمه قنواتها المحلية، رغم اختلاف المجال والجمهور والأهداف المعلنة.  
ويمكن القول إن النظام الإعلامى العربى يعانى من تحديات كثيرة تضعف من تأثيره فى تشكيل الرأى العام العربى، لعل أهمها ضعف النظام الإقليمى العربى بعد تعثر وانهيار الدولة فى السودان وليبيا ولبنان وسوريا، وقوة الفضائيات والمواقع الإخبارية التابعة لدول أجنبية، وعدم اهتمام الدول العربية والشركات الخاصة بإطلاق منصات رقمية قوية تتسم بالجودة فى المضمون والتنوع والقدرة على جذب الشباب الذى يشكل أغلبية الأمة العربية. إن وجود هذه المنصات وتفاعلها مع وسائل التواصل الاجتماعى سيدعم كثيرًا من النظام الإعلامى العربى ومن الخطاب العربى فى مواجهة التحديات الخارجية.