«قصر ميخائيل لوقا الزق».. أسطورة باروكية على أرض أسيوط

قصر ميخائيل لوقا الزق
قصر ميخائيل لوقا الزق


في قلب مدينة أسيوط، على شارع الجمهورية النابض بالحياة، يقف مبنى عريق تكسوه ملامح الفخامة الأوروبية الممزوجة بالروح المصرية، إنه قصر ميخائيل لوقا الزق، الذي بُني في عام 1914م ليكون أيقونة معمارية على طراز الباروك المستحدث، وشاهدًا على حقبة من الثراء الاجتماعي والذوق الفني الرفيع.

القصر ليس مجرد جدران مزخرفة، بل هو حكاية تاجر بارز أراد أن يخلّد اسمه، وقطعة نادرة من تاريخ العمارة في صعيد مصر.

- الرجل وراء القصر

كان ميخائيل لوقا الزق واحدًا من أشهر أعيان أسيوط في أوائل القرن العشرين، اشتهر بذكائه التجاري وثروته الكبيرة، لم يكن اهتمامه يقتصر على التجارة فقط، بل كان لديه شغف بالفن المعماري الأوروبي الذي بدأ ينتشر في مصر آنذاك، خاصة بعد الانفتاح على الثقافات الغربية في عهد الخديوي إسماعيل ومن جاء بعده.

اقرأ أيضًا | المكتبة المتنقلة تواصل نشر الوعي الثقافي والبيئي بين أهالي قرى أسيوط

اختار ميخائيل أن يبني قصرًا يعكس مكانته الاجتماعية ورقي ذوقه، وأن يكون تصميمه مختلفًا عن المألوف في أسيوط، حيث كانت العمارة المحلية تميل إلى البساطة، فقرر أن يستلهم الطراز الباروك المستحدث الذي يجمع بين الدراما البصرية والزخرفة المبهرة.

- اختيار الموقع

لم يكن اختيار موقع القصر وليد الصدفة، العقار رقم 27 بشارع الجمهورية كان ولا يزال موقعًا استراتيجيًا في وسط المدينة، قريبًا من الأسواق، الكنائس، والمراكز التجارية، وضع القصر هناك كان بمثابة إعلان عن حضور ميخائيل القوي وسط المجتمع الأسيوطي، وجعل القصر مركزًا للأحداث الاجتماعية والزيارات المهمة.

- الطراز الباروك المستحدث

الباروك المستحدث هو نسخة مطوّرة من طراز الباروك الأوروبي الذي ظهر في القرن السابع عشر في إيطاليا وانتشر في فرنسا والنمسا وألمانيا، يتميز بكثرة المنحنيات، الزخارف البارزة، التلاعب بالضوء والظل، وتوظيف الفخامة لإثارة الانبهار.

في قصر ميخائيل، تجلت هذه السمات في:

- المنحنيات المعمارية في واجهات القصر.

- النوافذ الكبيرة المقوسة التي تدخل الضوء بلمسات درامية.

- الزخارف الجصية على الحوائط والأسقف.

المدخل الفخم بأبواب خشبية محفورة يعلوها زجاج معشق.

- التكلفة وحرفية التنفيذ

تشير الروايات المحلية إلى أن بناء القصر تطلّب نفقات ضخمة. جُلب الرخام من أنواع فاخرة، والأخشاب من أجود الأنواع المستوردة، والزجاج الملون تم استقدامه خصيصًا من أوروبا، استعان ميخائيل بحرفيين مهرة، بعضهم جاء من القاهرة والإسكندرية، لينفذوا التفاصيل الدقيقة التي ميّزت القصر.

- القصر بين الأجيال

ظل القصر مقرًا لعائلة ميخائيل لوقا الزق لعقود، يتردد إليه الزوار من علية القوم، وتقام فيه اللقاءات الاجتماعية، ومع مرور الوقت، انتقلت ملكيته إلى مطرانية الأقباط الأرثوذكس بأسيوط عبر عقد شراء من الورثة، مما غيّر طبيعة استخدامه لكنه حافظ على ملامحه العامة.

- التسجيل كأثر

في عام 1998، أصدر رئيس الوزراء الأسبق د. كمال الجنزوري القرار رقم 1226 الذي نص على إدراج القصر ضمن الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، تقديرًا لقيمته المعمارية والزخرفية. كان ذلك بمثابة حماية قانونية تمنع أي تعديل أو هدم غير مدروس.

- الطراز الباروك في مصر

انتشر الطراز الباروك في مصر بدايةً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، خاصة في القصور التي بناها حكام وأعيان البلاد، مثل:

قصر عائشة فهمي في الزمالك.

قصر محمد علي بالمنيل، لكن ندرته في الصعيد جعلت قصر ميخائيل لوقا الزق حالة استثنائية، إذ نقل روح أوروبا إلى أسيوط بأسلوب مدهش.

- قرار الشطب… جدل واسع

في 11 أبريل 2021، وافقت اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية على شطب القصر من عداد الآثار، القرار كان بمثابة صدمة لعشاق التراث، خاصة أن القصر لم يفقد قيمته الفنية، يُرجع البعض القرار إلى عوامل إهمال وصعوبة ترميم، بينما يرى آخرون أن الحفاظ عليه كان ممكنًا.

- لماذا يجب الحفاظ على القصر؟

القصر ليس فقط مبنى قديمًا، بل وثيقة حية على تفاعل المجتمع الأسيوطي مع التيارات المعمارية العالمية، الحفاظ عليه يعني:

- حماية ذاكرة المدينة.

- تعزيز السياحة الثقافية.

- توفير نموذج دراسي للعمارة الباروكية في الصعيد.

- تفاصيل داخلية تستحق الذكر

السلالم الداخلية: من الرخام الفاخر، مزودة بدرابزين حديدي مشغول يدويًا.

الأسقف: مزينة بزخارف نباتية وهندسية.

الأرضيات: مكسوة بالباركيه والرخام.

الحديقة: كانت تحيط بالقصر، مزروعة بأشجار الزينة والنخيل.

- القصر اليوم

اليوم، ما زال القصر قائمًا لكنه يواجه خطر التدهور، غياب الصيانة المنتظمة وتغير الاستخدامات جعلا بعض أجزائه عرضة للتلف. مع ذلك، لا يزال يحتفظ بروحه الباروكية وجاذبيته التاريخية.

- نداء للانقاذ

قصر ميخائيل لوقا الزق هو أكثر من حجارة وزخارف، إنه قصة رجل وحلم وفن جمع بين الشرق والغرب، الحفاظ عليه ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية هوية أسيوط المعمارية.

ربما يكون تحويله إلى متحف أو مركز ثقافي هو الحل الأمثل ليبقى شاهدًا على حقبة ذهبية، وليظل صوته المعماري يروي الحكاية للأجيال القادمة.