مبادرة الرئيس السيسي تنقذ «الأبرياء»

علماء الوراثة يُحذرون من «زواج الأقارب».. يقدمون أدلة الاتهام وروشتة النجاة

صورة موضوعية
صورة موضوعية


■ كتبت: هبة حسين 

في بيت صغير بإحدى قرى مصر النائية تحاول «سعاد» تهدئة رضيعها الذي لا يكف عن البكاء منذ ولادته.. يلخص وجهه الشاحب وعيناه الغائرتان قصة معاناة لا يعرفها إلا من مر بتجربة مماثلة.. الطبيب شخّص حالة الصغير بـ«أنيميا البحر المتوسط»، وهو مرض وراثي ينتقل من جيل لآخر فى العائلة بسبب زواج الأقارب.

◄ د. ممدوح معوض يحذر من التحايل على فحوص ما قبل الزواج 

◄ د. إكرام فطين: المبادرة تكشف 19 مرضـًا وراثيـًا بعضها يدمر خلايا المخ 

هذه المأساة تحدث في بيوت كثيرة بمصر بسبب غياب الوعي بخطورة زواج الأقارب، وتكون النتيجة إنجاب «أبرياء» لا ذنب لهم أن يعيشوا حياة على حافة الخطر، لكن الأمل يبقى معقودًا على المبادرة الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض الوراثية، التي جرى إطلاقها قبل أربعة أعوام وتحديدًا فى يوليو 2021، وتستهدف الكشف عن 19 مرضًا وراثيًا لدى الأطفال حديثي الولادة، بحضانات مستشفيات وزارة الصحة.

وكما أكد علماء الوراثة خلال الصالون العلمى الخامس بالمركز القومي للبحوث تحت شعار «الأمراض الوراثية.. المعرفة والعلاج»، أن الوقاية مثلما يُقال خير من العلاج، والكشف المبكر يمكن أن ينقذ الكثير من الأطفال من مصير الإعاقة أو الموت فى سن مبكرة.


◄ ثقافة التوعية 

أكد د.ممدوح معوض رئيس المركز القومي للبحوث، ضرورة نشر الثقافة العلمية والتوعية بخطورة الأمراض الوراثية على صحة الأجيال، لتتنبه الأم أيًا كان مستواها التعليمى إلى اكتشاف أى خلل فى طفلها واللجوء لمتخصص مثلما تهتم بالأمراض العضوية، والتأكيد على إجراء فحوص ما قبل الزواج وعدم التحايل عليها، لأنها قد تكون سببًا فى الكشف المبكر عن مرض وراثى يتم معه متابعة الأم من بداية الحمل لو رغب الزوجان فى إتمام الزيجة.

فيما أشارت د.نجوى عبدالمجيد أستاذ الوراثة والاحتياجات الخاصة بالمركز أول عالمة عربية تحصل على جائزة «لوريال - يونسكو»، إلى أن عيادة الاضطرابات العصبية النمائية تكشف عن التوحد والنشاط الزائد وصعوبات التعلم والصرع وهشاشة كروموزوم «إكس» الذى يرثه الأبناء الذكور عن الأم إذا كانت حاملة للمرض، ويسبب تأخرًا فى الذكاء والاستيعاب وأحيانا نشاطًا زائدًا، وتصاحب50% من الحالات سمات التوحد. وتعانى الإناث الحاملات للمرض من وجود تاريخ عائلى للسيدات بانقطاع الطمث مبكرًا فى الثلاثينيات من العمر مع أعراض قلة التركيز، لذا لا بد من اللجوء لعيادة المركز للكشف المبكر عن الخلل الجينى إن وُجد والتدخل المبكر لتنمية مهارات الطفل.


◄ كورونا ومعدلات التوحد 

وحذرت عبدالمجيد من تزايد اضطرابات التوحد على المستويين المحلى والعالمى، بنحو طفل لكل 33 أما حاملا، خاصة بعد جائحة «كوفيد-19» مع كثرة استهلاك البلاستيك فى أدوات الطعام خشية انتقال العدوى، موضحة أن جين التوحد يظهره التأثير البيئى كتناول الرضيع مضادات حيوية كثيرة، لذا يجب أن تنتبه الأم لغذائها أثناء فترة الحمل، إذا كان لديها طفل مصاب بالتوحد حتى تتحاشى المرض فى الطفل القادم، كما أن 75% من حالات التوحد تتحسن بالنظام الغذائى وتم تصنيع لبن محلى لهم. 

ولأن دخول المواد البلاستيكية الدقيقة فى أجسامنا يسبب إتلاف الجهاز العصبى والمناعى سواء عبر تغليف الطعام أو إلقاء زجاجات المياه على الشواطئ أو احتكاكها بجسم الإنسان، طالبت الشبكة العربية للتصدى للملوثات الناشئة بحظر استخدام مادة «بيسفينول» فى تصنيع البلاستكات رخيصة الثمن، خاصة بعد حقن فأر تجارب بهذه المادة وتبيّن إصابته بنفس أعراض التوحد. ولحماية المجتمع، لا بد من إصدار لوائح تقضى باستبدال البلاستيك بالورقيات وتوعية الناس بأنه قد يخترق الجسم من خلال الشم أو الجلد أو الطعام. 


◄ العلاج بالإنزيمات التعويضية 

من جانبها، أكدت د.إكرام فطين أستاذة الوراثة البيوكيمائية مؤسسة وحدة العلاج بالإنزيمات فى المركز، أهمية المبادرة الرئاسية لاكتشاف 19 مرضًا وراثيًا لدى المواليد، ومنها «الفينيل كيتونوريا» فى الأسبوع الأول للوليد لتجنب المضاعفات، فالطفل يكون أشقر وجميلًا لكن قليل الحركة، ثم يحدث تدمير لخلايا المخ أسبوعيًا، ويقل معدل الذكاء. وحاليًا يوجد علاج ولبن مخصوص لهؤلاء الصغار من خلال وحدة العلاج بالإنزيمات التى تعالج أيضًا مرض تخزين السكريات بالجسم الذى يتسم فيه الطفل بكبر حجم الرأس وقصر القامة وتكون المفاصل غير طبيعية.

مؤكدة أنه يجب أن تتنبه الأم إذا كانت عضلات الطفل فى حالة ارتخاء وتلجأ لعيادة وراثة خاصة فى حالة زواج الأقارب الذى يؤدى لظهور الصفات المتنحية لأغلب الأمراض الوراثية. ويُعالج أيضًا مرض «بومبى» بالإنزيم التعويضى حتى لا يموت الطفل بمشاكل بالقلب. لافتة إلى أن 50 إلى 60 مريضًا يتلقون أسبوعيًا العلاج بالإنزيمات.


◄ قياس حجم الرأس 

فيما ناشدت مؤسسة عيادة صغر حجم الرأس والعيوب الخلقية بالمخ فى المركز، الدكتورة غادة الحسينى، وزارة الصحة وضع قياس حجم الرأس فى كراسة المواليد لمتابعة القياس ثلاث مرات خلال السنة الأولى من عمر الطفل ومرتين فى السنة الثانية، للتأكد ما إذا كان يعانى مرضًا وراثيًا أو سوء تغذية أو ناتج عن تعرض الأم لحادثة أو عدوى أو تعاطى مواد كحولية أو هيروين. وللكشف عن المرض الوراثى، تُفحص شجرة العائلة ويلى ذلك إجراء تحاليل متخصصة لكل مرض ثم التحليل الجينى لتفادى تكرار المشكلة فى المولود التالى. 

وطالبت أستاذة الوراثة الإكلينيكية صاحبة اكتشاف متلازمة «زكى» الجينية، الدكتورة مها سعد زكى، بتوعية المجتمع بأن زواج الأقارب الذى تصل نسبته إلى40% فى مصر يمثل عاملا خطرا فى ظهور الأمراض الوراثية، لذا لا بد لمَنْ يشك فى وجود أى تأخر فى نمو الطفل استشارة طبيب وراثة، لأن عدم التشخيص المبكر وإنجاب مزيد من الأطفال ظنًا أن المشكلة كانت نقص أكسجين أثناء الولادة يفاقم الوضع ويزيد من حالات الإصابة. وقد قامت المبادرة الرئاسية للأمراض الوراثية للأطفال بتغطية تحليل الأمراض التى لها علاقة بأمراض الدم المنتشرة بمجتمعنا فى هذه الفحوصات، ما أتاح التشخيص والعلاج المبكر للمواليد المصابين.


◄ اقرأ أيضًا | هل الأمراض الوراثية بسبب زواج الأقارب؟.. طبيب يجيب

◄ علاج أمراض الدم 

من جانبها، أشارت أستاذة الوراثة الإكلينيكية وأمراض الدم الوراثية الدكتورة غادة القماح، إلى ضرورة تحجيم انتشار مرض «أنيميا البحر المتوسط» الذى يحتاج فيه الطفل لنقل الدم بشكل دورى، موضحة أن هناك واحدًا من كل 10 أطفال فى مصر يحمل جين المرض، ولا بد من علاجه فى عيادات الوراثة. وتنامى نسبة زواج الأقارب التى تصل لنحو 100% فى مناطق مثل الواحات والنوبة يزيد من انتشار أمراض الدم الوراثية مثل فقر الدم المنجلى وأنيميا الفول والهيموفيليا وفشل النخاع العظمى، ولا بد من متابعة الطفل جيدًا لتجنب المضاعفات. 

على سبيل المثال، تصل تكلفة علاج مريض أنيميا البحر المتوسط سنويًا بسبب نقل الدم من 20 إلى 40 ألف جنيه، وعلاج تقليل نسبة الحديد فى الدم بين 40 و80 ألف جنيه، إلى جانب تحاليل بتكلفة تتراوح بين 10 و15 ألف جنيه، ودخول المستشفى من 5 إلى 20 ألف جنيه، وهذه المبالغ الكبيرة تتحملها الأسرة إذا كانت مقتدرة أو من خلال الاعتماد على التأمين الصحى، لذا يخفف منع تكرار الأمراض الوراثية عبئًا ماديًا ونفسيًا كبيرًا على الأسرة وعبئًا اقتصاديا على الدولة، فمرض الهيموفيليا يتكلف من 300 إلى 700 ألف جنية سنويًا، وتسهم الجمعيات الخيرية فى العلاج لكن لا يمكن تغطية التكلفة بالكامل.

وأكدت القماح ضرورة الإفصاح عن وجود مرض وراثى فى العائلة حتى إن تم الزواج، وقد أجاز الأزهر والكنيسة الإجهاض فى بعض الحالات فى مرحلة مبكرة من الحمل أو تتحمل الأسرة تكلفة الحقن المجهرى لانتقاء البويضة السليمة قبل التلقيح تجنبًا لإنجاب طفل مريض.