لا تزال أسرار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تتكشف أسرارها، إذ لم تكن المعركة تدور فحسب حول ميادين التجسس أو الوصول للفضاء أو حتي سباق التسلح النووي، بل امتدت إلى ساحات غير تقليدية من أدوات القوة الناعمة، لتقويض الخصم اللدود من الداخل، وأبرزها الثقافة والمعرفة.
وفي واحدة من أنجح عملياتها استهدفت وكالة الاستخبارات الأمريكية سلاح الثقافة، لنشر المعرفة المناهضة للفكر الشيوعي، في قلب مجتمعاته عبر نشر الكتب المحظورة والأفكار الليبرالية والتي كانت متعطشة لها العديد من الدول السوفيتية، حيث أدركت واشنطن أن الأنظمة الشمولية لا تسقط بالضرورة بالقوة، ولكن يمكن أن تناهضها مجرد فكرة.

"المكتبات الطائرة" عبر شبكة بشرية معقدة
استطاعت الولايات المتحدة وفق تقرير لمجلة «فورين بوليسي»، أن تستغل ما يمكن تسميته بـ«ستار الثقافة» في مواجهة "الستار الحديدي"، حيث تستعرض المجلة الأمريكية كتاب للصحفي البريطاني تشارلي إنجلش في كتابه "نادي كتاب وكالة المخابرات المركزية: المهمة السرية لكسب الحرب الباردة بالأدب المحظور"، حيث قال إنجلش إنه بعد فشل عدة محاولات لإلقاء منشورات لم يهتم بها الكثير من الدول السوفيتية ، تداركت علي الفور الوكالة أخطائها باللجوء إلي الكتب، خاصة وأن سكان أوروبا الوسطى والشرقية متعطشين للأدب كان من أبرزها، توزيع البولنديين "المكتبات الطائرة" عبر شبكة بشرية معقدة، خاطر فيها القراء بالسجن للحصول علي روايات مثل "1984".
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل في أواخر خمسينيات القرن الماضي، اختير عميل وكالة المخابرات المركزية والمهاجر الروماني جورج ميندن لقيادة برنامج الوكالة للكتب، حيث استطاعت خطة "مارشال للعقل" بتهريب ما لا يقل عن 10 ملايين مادة بجانب المطابع، وذلك إلي الكتلة الشرقية، مستوردةً أعمالًا محظورة لكتّاب مثل تشيسلاف ميلوش، وجوزيف برودسكي، وألكسندر سولجينتسين، وألبرت كامو، وكورت فونيغوت، وهانا أرندت، وفيليب روث، وفاسلاف هافيل.
إرث الرماد يوثق كوارث حقبة الحرب الباردة
وفي إشارة لنجاح البرنامج في بولندا، يستطرد تقرير المجلة الأمريكية أن برنامج الكتب كان انتصارًا نادرًا للوكالة في عهد مدير وكالة المخابرات المركزية بيل كيسي، حيث وصف تيم وينر، مؤلف كتاب "إرث الرماد" الذي يوثّق كوارث تلك الحقبة، بأن البرنامج "من أهم عمليات وكالة المخابرات المركزية في الحرب الباردة". وتقول فورين بوليسي، بالإضافة إلى زعزعة استقرار الديمقراطيات ودعم الإمبرياليين، تمتعت الوكالة بأسلوب رفيع، بدعم التعبيرية التجريدية، من خلال دعم مجلة باريس ريفيو، وعددًا لا يُحصى من فناني ما بعد الحرب في الداخل والخارج، غالبًا دون علمهم. وسعت الوكالة من وراء ذلك إلى الترويج للفن الذي يدافع عن الحرية والفردية لمحاربة الشيوعية، وكسب القلوب والعقول، ومواجهة الفكرة التي روّج لها السوفييت، والتي تقول، كما وصفتها المؤرخة لوسي ليفين، إن "الولايات المتحدة أرض رأسمالية قاحلة ثقافيًا"، سيُسهم الفن الذي تدعمه وكالة المخابرات المركزية إسهامًا كبيرًا في إظهار للعالم أن الولايات المتحدة في الواقع أرض رأسمالية قاحلة غنية ثقافيًا.

أهم مطبوعة بولندية سرية في ثمانينيات
ويروي «نادي كتاب وكالة المخابرات المركزية» قصة برنامج الكتب، الذي نُفذ بشكل رئيسي في بولندا، حيث كان له التأثير الأكبر، ولكن يُحسب للكاتب البريطاني تشارلي إنجلش، أن الكتاب لا يتناول وكالة المخابرات المركزية في الواقع.
إنه وقبل كل شيء، تاريخ شفوي للحركة السرية البولندية من خلال صعود "حركة التضامن" وهي الحركة الإجتماعية لحرية التعبير التي بدأت بإضرابات واسعة النطاق عام 1980، وصمدت لأكثر من عام من الأحكام العرفية، بما يقرب من عقد من القمع العقابي، قادت في نهايتها بولندا إلى الحكم الذاتي الديمقراطي في التسعينيات.
أجرى إنجلش، المحرر السابق في صحيفة الجارديان، مقابلات مع عدد لا يحصى من أعضاء المقاومة البولندية الناجين ليروي قصة كيف غذت شراء وكالة المخابرات المركزية للكتب - وبنفس القدر، إن لم يكن الأهم، المطابع - حركة سرية صبورة وعازمة من الصحفيين والناشرين والمحررين والمهربين والكتاب الذين خاطروا بكل شيء للمقاومة.
تاريخ "إنجلش"، لحركة التضامن مفصل وواسع، لكن أحد أبرز المواضيع هو تاريخ مجلة "مازوفيا ويكلي"، وهي مطبوعة سرية أطلقتها مجموعة العمليات النسائية عام 1982، تتألف من مجموعة من الصحفيات المعارضات المخضرمات برئاسة هيلينا لوتشيو.
وبفضل جودة صياغة الصحيفة وإنتاجها وتحريرها ،أطلق عليها مقولة عن أسلوبها التحريري البسيط: "ما هو العمود؟ شجرة تُحررها مازوفيا ويكلي"، حيث أصبحت أهم مطبوعة بولندية سرية في ثمانينيات القرن العشرين.
خلال ذلك العقد، بلغ توزيع مازوفيا ويكلي ما يُقدر بنحو 80,000 نسخة - وهو رقم مذهل، حتى مع تمويل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، نظرًا لأن إعداد التقارير والتحرير والطباعة والتوزيع كان يتم سرًّا.
حيث كانت تطبع في شقق خاصة بتنسيق سري للغاية، لتفادي اكتشافها، إذ لم يكن أحد يعلم كامل سلسلة الإنتاج.

هدم لثمانية عقود من مؤسسات الدبلوماسية الناعمة
ولمدة ست سنوات ونصف من إصدارها، لم تستطع الشرطة السرية اكتشاف الصحيفة، لمجرد أن مؤسسيها من الحركة النسائية، ولكن وبعد الكشف عنها، كان الوقت قد فات، وبدأت لحظة الانفجار السياسي.
سرعان ما بدأت المفاوضات بين الحكومة والمعارضة "حركة التضامن"والتي قادت بدورها إلى انتخابات 1989 ، كما سمحت الحكومة لأول مرة بإصدار صحيفة شرعية باسم غازيتا فيبورشا بقيادة آدم ميتشنيك، والتي لعبت دورًا حاسمًا في تعبئة الناخبين وفوز الحركة في أول انتخابات حرة في الكتلة الشرقية، منهية حكم الشيوعيين، بفضل الدعم الأمريكي في حماية النشطاء ودعم التغيير السياسي السلمي.
وتختتم فورين بوليسي تقريرها، بأن لولا الدعم الأمريكي لتلك الحركات ما كانت أسهمت في استقلال بولندا عن الاتحاد السوفيتي، ساخطةً لما تقوم به إدارة ترامب حالياً من هدم لثمانية عقود من مؤسسات الدبلوماسية الناعمة، بما في ذلك إذاعة أوروبا الحرة، التي دعمت بحسب قولها الديمقراطية حول العالم.

الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







