مرفت عمر
في غضون ساعة سُمح للأنين أن يُرفع، وللصوت الأنثوي أن يُطلق من القيود الاجتماعية التي طالما كمّمته باسم الحياء، والعُرف، والمسكوت عنه. في قاعة يكتنفها السواد، على مسرح يشبه فراغ الحياة الملبّدة بالصمت، وقف أربع نساء، أو بالأحرى، أربع شظايا إنسانية تمشي فوق الجمر،
يصرخن بما عجز عن البوح به كثيرون. هذا ليس عرضًا مسرحيًا عابرًا، بل هو تجسيد بصري لصراعات داخلية ظلّت مدفونة داخل أجساد وابتسامة وشعر المستعار.
"جسم وأسنان وشعر مستعار" ليس مجرد عنوان ساخر أو غرائبي، بل استعارة صادمة عن الزيف الاجتماعي والاضطرار اليومي للتمويه. إنه عرض يفتش في الجرح، يفتحه عمدًا ليقول: هذه ليست زينة، بل قناع نجونا به من الانهيار، وهذه ليست ابتسامة، بل عضٌّ على الألم كي لا نصرخ.
اقرأ أيضا|«جسم وأسنان وشعر مستعار» يشارك بالمسابقة الرسمية للمهرجان القومي للمسرح
من إخراج مازن الغرباوي، يقدم العرض صرخة مسرحية نسوية صريحة ومجردة، تحت مظلة سوداوية بصرية وصوتية تضعك منذ اللحظة الأولى في مواجهة جريئة مع الحقيقة. اعتمد المخرج على خامات المسرح التعبيري الحديثة، فألغى الواقع التقليدي لصالح تجريد بصري مكثف؛ ملابس سوداء، إضاءة باهتة، وموسيقى تائهة كأنها تمشي على حافة انهيار عصبي، لتصبح التفاصيل المسرحية ترجمانًا دقيقًا للداخل المرتبك، المهتز، الغاضب، المنكسر.
الخشبة لم تكن مجرد مسطح للتمثيل، بل تحوّلت إلى ساحة تشريح نفسي وجمالي، حيث احتلت القوالب المفرغة، ذات المنافذ المضيئة، دورًا رمزيًا بالغ التأثير. هذه القوالب لم تكن ديكورًا فحسب، بل كيانات حية تتغير وظائفها بحسب الحالة النفسية لكل مشهد. تارة تُستخدم كإطارات مضيئة، وتارة تُسكنها ظلال الماضي أو منافذ الأمل أو حتى دوائر العزلة. كانت تتحرك، تتناثر، تتجمع، تفترق... تمامًا كما تفعل المشاعر المتضاربة داخل المرأة حين لا تجد متنفسًا حقيقيًا.
أما الممثلات الأربع، فقد قدّمن ما يشبه "التطهير المسرحي" لأنفسهن وللمتفرجين على السواء. كل واحدة كانت صوتًا لحالة، ووجهًا لجرح، ومرآة لامرأة قد تكون جالسة بين الجمهور، لكنها لا تجرؤ على الكلام. تنقلن بين البوح والبكاء، بين التوسل والصراخ، بين القهر والمقاومة، وفي كل لحظة كنّ صادقات إلى حد الوجع. الأداء هنا لم يكن مجرد تمثيل، بل حالة فنية مركبة تجمع بين الرقص التعبيري والحكي المُكثّف والإيماء، مما جعل كل دقيقة تمر كأنها ومضة في الذاكرة الجمعية للنساء اللواتي لم تُتح لهن فرصة التكلّم.
يُحسب لمازن الغرباوي قدرته على صقل هذه الطاقة الأنثوية العالية وتنظيمها وتوظيفها دراميًا دون أن تفقد عفويتها أو صدقها. لم يستدر عطف المشاهد، ولم يرفع شعارًا استهلاكيًا عن قضايا المرأة، بل اكتفى بأن يمنح الصوت مساحته، والصورة سكونها، والحقيقة طريقها للخروج من بين الركام.
العرض، في جوهره، قائم على "المونولوج الجماعي"، إن صحّ التعبير. فكل ممثلة تتكلم بلسانها وبلسان الأخريات، وكأنهن نسيج واحد يتجزأ فقط ليُظهر زوايا المعاناة المختلفة: المرأة التي تم اختصارها في جسدها، والمرأة التي تنزف كل يوم في صمت كي لا تنهار منظومة من حولها. ورغم تعدد الأصوات، ظلّ العرض يحتفظ بنغمة واحدة: التمرد. هذا ليس عرض شكوى، بل فعل رفض. ليس بكاءً، بل مقاومة.
من أبرز ملامح الجمال في "جسم وأسنان وشعر مستعار" قدرته على الجمع بين الكثافة الفنية والبساطة المفهومية. لم يحتج العرض إلى حبكة تقليدية، ولا شخصيات تتطور، بل كانت اللوحات المتتالية كافية لرسم خريطة حية للألم النسوي في المجتمع. الإضاءة الخافتة لعبت دورًا حاسمًا في خلق التوتر الداخلي، والموسيقى ذات الطابع المعلق بين الشرقي والغربي عكست ذلك التمزق بين ما تريده المرأة وما يُفرض عليها، بين الأصالة والتغريب، وبين الرغبة في الانطلاق والخوف من السقوط.
وعلى الرغم من طابع العرض السوداوي، إلا أن النهاية لم تكن مظلمة تمامًا. كان هناك خيط رفيع من الأمل، لا يُقال صراحة، بل يُلمح من خلال انسحاب الضوء شيئًا فشيئًا على وجوه البطلات، كأنهن تَخففن من أثقالهن، أو تآلفن مع جراحهن. ليست نهاية وردية، لكنها واقعية ومفتوحة على احتمالات التغيير.
ما يلفت في هذا العرض، أيضًا، تلك الجرأة الفنية في اختيار عنوانه، "جسم وأسنان وشعر مستعار". فهي رموز لكل ما تُجبر المرأة على اصطناعه لتبدو لائقة ومقبولة، وهي في ذات الوقت أدوات دفاعية ضد هشاشة الوجود الأنثوي وسط مجتمع يُقيمها من خلال الشكل والابتسامة وخضوعها لقوالب جاهزة. وما العرض سوى محاولة لنزع هذه الأقنعة علنًا، والاعتراف أن الجمال الحقيقي لا يكمن في الزينة، بل في القدرة على الصراخ حين يطلب منك الجميع الصمت.
"جسم وأسنان وشعر مستعار" هو عرض يتجاوز فن المسرح إلى ما يشبه طقسًا تطهيريًا. هو بيان جمالي وشجاع عن معاناة المرأة، لكن دون استجداء، ودون ضجيج. هو لحظة صدق نادرة وسط كثير من العروض التي تضع قضية المرأة كديكور درامي، بينما هنا، كانت المرأة هي النص، وهي الجسد، وهي الصوت، وهي الضوء.

أسماء جلال تطلب الزواج من أحمد رمزي.. ما القصة؟
آية عبد الله تطرح أحدث أغانيها «محصلش نصيب»
ليجي سي يفاجئ جمهوره بإطلاق «سيبي نفسك خالص» في حفل جدة بمشاركة كاريوكي







