حسن حافظ
لم ترغب بريطانيا يومًا فى التخلى عن قناة السويس. عملت بكل ما فى وسعها للسيطرة على هذا الممر الملاحى الأهم فى العالم، فاشترت أولًا الحصة الأكبر من أسهم شركة قناة السويس، كما فرضت حمايتها بعد احتلال مصر عام 1882، وبدا أنها غير راغبة فى التخلى عن هذا الشريان الحيوى الذى يربط بين شبكة مستعمراتها. لذا، سعت لندن دومًا إلى تمديد عقد امتياز الشركة، كى لا تسلّم إدارة القناة للمصريين. ولكن الإرادة الوطنية نجحت فى تحقيق ما ظنه البعض مستحيلًا؛ فعبر مسار طويل من النضال، أُمّمت القناة لتصبح أحد أعمدة استقلال القرار المصري، ودعامة أساسية لاقتصاده.
لا يعلم كثيرون أن الاحتلال البريطانى سعى، بالتعاون مع الشركة الأوروبية المالكة لامتياز إدارة القناة، إلى مدّ الامتياز الذى كان من المفترض أن ينتهى فى عام 1968، وذلك أكثر من مرة، بحسب دراسة «مؤامرة مد امتياز شركة قناة السويس 1908-1910» للدكتور السيد حسين جلال. فالحديث عن أن الشركة كانت ستسلّم إدارة القناة للمصريين فى الموعد المتفق عليه، يبدو نوعًا من التجميل لنوايا القوى الاستعمارية. فقد كانت النية مبيّتة لحرمان مصر من عائدات هذا الممر الملاحى الدولي، وكانت البداية منذ عام 1883 - أى بعد عام فقط من الاحتلال - حيث دار نقاش بين بريطانيا والشركة حول شق قناة ثانية، مقابل مد الامتياز لعشرين عامًا إضافية بعد 1968، لكن البرلمان الإنجليزى رفض المشروع، فانهارت أولى محاولات التمديد.
مفاوضات سرية
لم تهدأ القوى الاستعمارية؛ ففى 1886، بدأت مفاوضات سرية بين وزارات الخارجية والتجارة والحربية البريطانية وممثل الاحتلال اللورد كرومر من جهة، وبين شركة قناة السويس بقيادة ديليسبس من جهة أخرى، لمدّ الامتياز مجددًا، دون إشراك الجانب المصرى صاحب الحق الشرعي. حاولت بريطانيا تمرير الفكرة بحجة توسيع القناة، لكن ترددها أجهض المشروع. أما ديلسبس فلم يهدأ، فقدّم فى عام 1890 مشروعًا يطلب فيه مد الامتياز 33 عامًا أخرى، لينتهى فى 2001 بدلًا من 1968. المثير أن الرفض جاء من وزارة التجارة البريطانية التى رأت أن ممرًا عالميًا كقناة السويس لا يجوز أن يظل طويلًا فى يد شركة تجارية تسعى للربح فقط.
أما أخطر محاولات مدّ الامتياز، فجاءت بين عامى 1908 و1910، حين سعت الشركة لتمديده أربعين سنة مقابل قرض للحكومة المصرية التى كانت تعانى أزمة مالية. وبدأت محاولات إقناع سلطات الاحتلال البريطانى بإجبار الجانب المصرى على الموافقة، مقابل خفض رسوم مرور القوات البريطانية المتجهة إلى الهند. وكان ذلك سيعنى أن تنتهى مدة الامتياز 2008. أمام هذا النهب المنظّم لثروات مصر، ثارت الحركة الوطنية بقيادة محمد فريد، وشنّت حملة صحفية موسعة بعد تسريب المفاوضات السرية.
رفض المشروع
من اللافت أن وزارة الخزانة البريطانية نفسها رفضت المشروع، إذ رأت أن الشركة سترفع رسوم المرور لتعويض الحكومة المصرية، وهو ما يضر بمصالح بريطانيا التى كانت تمتلك 46٪ من أسهم الشركة، وكانت سفنها تمثل 70٪ من حركة الملاحة بالقناة حتى 1910. وبالتالي، رأت أن المستفيد الوحيد من المدّ سيكون المساهمون الفرنسيون، الذين لم تكن سفنهم تشكّل سوى 6٪ من حركة المرور. وهكذا، تحدّدت مصائر القناة من داخل مكاتب الاستعمار، لا وفقًا لمصالح المصريين.
غير أن الحركة الوطنية لم تكتفِ بالرفض، بل دخلت معركة الدفاع عن القناة المسلوبة بكل قوة. فكتب محمد فريد مقالات نارية فى صحيفة «اللواء»، لسان حال الحزب الوطني، يهاجم فيها الامتيازات الأجنبية، ويدعو إلى تأميم القناة. يقول:
«لو أن مصر كانت حرة، وكانت أعمالها بيد نوابها، لفضّلت استرداد الامتياز من الآن مقابل تعويض مالى يُدفع مرة واحدة، أو بجزء من الأرباح يُحسب على متوسط إيراد الخمس أو العشر سنوات الأخيرة، ويدفع فى السنة الباقية من الامتياز.. ولكن هذا الأمر يستحيل صدوره من حكومة لا تراعى فى إدارة شئونها إلا ما يوحى به المستشارون الإنجليز».
وقد صدقت نبوءة فريد. فحتى بعد تصريح 28 فبراير 1922 الذى منح مصر استقلالًا شكليًا، احتفظت بريطانيا بحق تأمين القناة، وكرّسته لاحقًا فى معاهدة 1936، التى أبقت القوات البريطانية فى منطقة القناة. ولم يتغير الوضع إلا بعد ثورة 1952، حين وقّع الضباط الأحرار اتفاقية الجلاء فى 19 أكتوبر 1954، وخرج آخر جندى بريطانى فى 18 يونيو 1956. إلا أن شركة القناة بقيت تجنى الأرباح دون وجه حق، ما استدعى معركة التأميم المنتظرة.
الاستقلال السياسى
جاء القرار الذى تنبأ به محمد فريد. الزعيم جمال عبد الناصر، الذى طرد الاستعمار وأعلن الجمهورية، سعى إلى استكمال الاستقلال السياسى بتحقيق استقلال اقتصادي. ولما كانت الصناعة الوطنية تحتاج إلى طاقة، خطط لبناء السد العالي. وبعدما رفضت بريطانيا وأمريكا تمويل المشروع وربطتا ذلك بالتسوية مع إسرائيل، لجأ عبد الناصر إلى السلاح السوفيتى عبر تشيكوسلوفاكيا، وقبل التمويل من موسكو. لكنه احتاج إلى موارد تمويل داخلية، فكان الحل هو تأميم شركة قناة السويس.
تقول الدكتورة لطيفة سالم، أستاذة التاريخ الحديث، فى حديثها لـ«آخر ساعة»: «فى عام 1955، بلغ دخل القناة 100 مليون دولار (35 مليون جنيه)، لم تحصل مصر منه إلا على مليون واحد. كما أن شركة القناة خططت لمشروع توسعة مقابل مدّ الامتياز 20 سنة إضافية، بدعم من بريطانيا التى كانت تملك 44٪ من أسهمها. أمام هذا، لم يجد عبد الناصر مفرًّا من إعلان التأميم، فوقف فى ميدان المنشية يوم 26 يوليو 1956، ليعلن أن شركة قناة السويس أصبحت شركة مساهمة مصرية، وستمول بناء السد العالي».
ويضيف الدكتور عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، أن إعلان التأميم استند إلى دراسة قانونية أعدها الدكتور مصطفى الحفناوى فى كتابه قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة، ويقول لـ»آخر ساعة»:
«القناة من حيث المبدأ مصرية، لكن عقد الامتياز الأصلى اختفى بعد الاحتلال البريطاني. والتأميم وجّه ضربة هائلة لبريطانيا اقتصاديًا وسياسيًا، لأنها كانت تعتبر القناة حلقة وصل مركزية فى الكومنولث. لذا تحالفت مع فرنسا، الغاضبة من الدعم المصرى للثورة الجزائرية، وإسرائيل التى تطمع فى سيناء. فوقع العدوان الثلاثي، لكن عبد الناصر قاد مقاومة شعبية، وأدار المعركة السياسية بذكاء، وانتهت بهزيمة نكراء للمعتدين، وتدخّلت أمريكا والاتحاد السوفيتى ضدهم».
اقرأ أيضا: «قناة السويس على قضبان».. صور ترصد معدلات تنفيذ أول خط قطار سريع في مصر
«آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979
أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية
اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء: زمن الإرهاب انتهى.. ونخوض معركة العبور الاقتصادى







