فى أحد أروقة دار مزادات صغيرة بلندن تُسمى «أبولو»، عُرض مؤخرًا إناء تجميلى صغير من الخشب والعاج، منحوت ببراعة نادرة على هيئة جرادة أو صرصار الليل. قد يبدو للوهلة الأولى مجرد قطعة أثرية أخرى خرجت من قلب الحضارة الفرعونية، لكنه فى نظر بعض علماء المصريات ليس مجرد تحفة، بل دليل محتمل على السرقة الأعظم فى تاريخ علم الآثار.
فهل خرجت هذه القطعة الصامتة من الظلام الأبدى لمقبرة توت عنخ آمون؟ أم أنه لا دليل كافيا سوى الرغبة فى تصديق الأسطورة؟
يُعرف الإناء باسم Guennol Grasshopper، وهو قطعة أثرية دقيقة تعود إلى أواخر الأسرة الثامنة عشرة، أى فى عهد توت عنخ آمون أو بعده مباشرة (حوالى 1350 قبل الميلاد). استخدم كمستحضر تجميلى أو حاوية لعطر ملكى، ونُحتت ملامحه بانسيابية مدهشة توحى بأنه صُنع لقبر لا لقاعة عرش.
لكن ما يثير الشكوك ليس شكله فقط، بل حالته شبه الكاملة، وتفاصيله التى تتشابه مع قطع أثرية لم تُشاهد إلا داخل مقبرة الملك الذهبى.
فى عام 1978، كتب توماس هوفنج، المدير الأسبق لمتحف المتروبوليتان، أن العديد من القطع الصغيرة خرجت من مقبرة توت عنخ آمون دون أن تُسجَّل رسميًا، موجّهًا أصابع الاتهام إلى هوارد كارتر، مكتشف المقبرة، الذى احتفظ ببعض الآثار داخل خزانته الخاصة لسنوات.
كنز الملك الطفل
استشهد هوفنج بقطع تشبه «إناء الجرادة»: صغيرة الحجم، عالية الدقة، نادرة الخامة، وقال إنها لا يمكن أن تكون إلا من كنز «الملك الطفل».
هذا الرأى دعمه لاحقًا باحثون مثل كريستيان لوبن وكريستينا ريجز، مشيرين إلى أن خصائص الإناء تنطبق تمامًا على نمط مقتنيات المقبرة، حتى وإن لم يُوثق رسميًا فى قوائم الحفر الأصلية.
دار المزادات ترد
دار «أبولو» التى عرضت القطعة للبيع نفت بشكل قاطع أن تكون مســــروقـــة مـــــن المقـــــبرة. وأكـــــدت فى بيانها، أنـــه لا توجـــد صـــور أو وثائق تربط الجرادة بمقبرة توت عنـــخ آمــون، ولــم تصـــدر مـصر أى مطــالبة قــانونية أو بـــلاغ بســرقة هذه القطعة. تم تصدير القطعة من مصر بطريقة قانونية فى ثلاثينيات القرن الماضى، قبل صدور قوانين حماية الآثار الحالية. كما تؤكد شهادة من سجل الأعمال الفنية المسروقة (Art Loss Register) أنها غير مدرجة ضمن القطع المسروقة أو المطلوبة دوليًا.
لكن، رغم ذلك، رفضت دور مزادات عالمية كبرى مثل كريستيز وسوذبيز التعامل معها، مما يضع علامة استفهام كبيرة.
سلسلة من المالكين
مرت الجرادة برحلة «ملكية» تقريبًا. خرجت من مصر عبر التاجر الشهير موريس نحمان سنة 1936، ثم بيعت لتاجر الآثار جوزيف برومر فى نيويورك. امتلكها أحد أثرياء أمريكا، ثم انتقلت إلى معرض ميرين 2007، وأخيرًا أصبحت ضمن مجموعة الشيخ سعود آل ثانى من قطر.
لكن هذه السلسلة، رغم طابعها «الشرعى»، لا تنفى أن البداية نفسها غامضة ومبهمة، ولا شىء يبعد شبح المقبرة الملكية عنها.
صمت الآثار
حتى لحظة كتابة هذا التقرير لم تصدر وزارة السياحة والآثار أو لجنة استرداد الآثار أى بيان رسمى حول «إناء الجرادة». البعض يرى أن صمتها مؤقت، والبعض الآخر يبرّره بعدم وجود «دليل قاطع»، لا سيما فى ظل تصدير القطعة قبل عام 1951، وهو التاريخ الفاصل فى قوانين حماية الآثار المصرية.
لكن فى وجدان المصريين، تبقى الفكرة أكبر من ورقة ملكية أو شهادة تصدير. كيف خرجت تحفة بهذا الجمال من قلب التاريخ إلى قاعة مزاد باردة؟ ومن سمح بذلك؟
إناء الجرادة ليس مجرد تحفة تُباع فى مزاد، بل رمز لصراع طويل بين ما يُثبت فى الوثائق، وما يُثبت فى الوجدان؛ بين القوانين الجافة وحق الشعوب فى استعادة تاريخها.
قد لا نعرف على وجه اليقين إن كانت هذه الجرادة خرجت فعلًا من مقبرة توت عنخ آمون، لكن المؤكد أن القضية نفسها تكشف هشاشة منظومة حماية الآثار القديمة، واستمرار المعركة بين الشكوك، والحقائق، والضمير.
قد تتذرّع دور المزادات بوثائق تصدير قديمة وشهادات نفى سرقة، وقد يتردد المختصون أمام غياب الدليل القاطع، لكن هناك حقائق لا تُقاس بالورق بل تُوزن بالضمير. إناء الجرادة، بما يحمله من فن رفيع وارتباط محتمل بأشهر مقبرة فى التاريخ، يستحق أكثر من مجرد عرض للبيع.
إنه شاهد على قصة أمة نُهبت خزائنها فى غفلة من الزمن، ودليل على أن معركة استعادة الآثار لا تُخاض فى المحاكم وحدها، بل فى الوعى العام والإرادة الثقافية.
وإذا كانت مصر حتى اليوم لا تستطيع إعادة رأس نفرتيتى من ذاكرة العالم لا من أوراقه، فقد حان الوقت لأن تُعيد هذه الجرادة الصغيرة إلى حيث تنتمى: إلى قلب وطنها، لا إلى قاعة مزاد بارد.
اقرأ أيضا: قناع توت عنخ آمون الذهبي يشد الرحال إلى المتحف المصري الكبير

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







