العلاقات الأمريكية الأوروبية تتدهور.. فلماذا تلوذ الصين بالصمت؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


بينما يلوّح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بعصا الرسوم الجمركية ويُهين الحلفاء الأوروبيين علنًا، كان البعض يتوقع أن تستغل الصين الفرصة لتقديم عروض مغرية للقارة العجوز.

لكن المفاجأة أن بكين اختارت طريقًا مختلفًا تمامًا، لتخفي وراء «انتظار صبور» ثقة متزايدة بأن الغرب يُفكك نفسه بنفسه.

اقرأ أيضا| وزير الخارجية يستعرض الانتهاكات الإسرائيلية مع مبعوث ترامب للشرق الأوسط

بعد مرور 6 أشهر على بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدت أوروبا وكأنها عالقة في العاصفة، بحسب مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

فرغم التحسن النسبي في دعم واشنطن لأوكرانيا مع استمرار الحربالروسيةالأوكرانية، فإن المفاوضات التجارية بعد ما سُمي بـ«رسوم يوم التحرير» لا تزال متعثّرة، فيما لا يتردد ترامب في التهديد علنًا برفع الرسوم الجمركية على الاتحاد الأوروبي لتصل إلى 30%.

«حمولة زائدة».. نظرة ترامب لأوروبا

داخل أروقة إدارة ترامب، لا تُخفي الرسائل الداخلية ازدراءها لحلفاء واشنطن الأوروبيين.

ففي مجموعة "سيجنال جيت" الخاصة للمراسلة، كتب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسِث لنائبه جي دي فانس: "أشاركك تمامًا اشمئزازك من أوروبّا المتطفّلة... الأمر مثير للشفقة!".

وسط هذا التوتر، زار رئيسا المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي — أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا — بكين في 24 يوليو  بمناسبة مرور 50 عامًا على العلاقات الصينية الأوروبية.

لكن التوقعات كانت متواضعة منذ البداية، حيث صرح دبلوماسيون أوروبيون، أن القمة كانت مجرد تكرار للقاءات سابقة، بلا وعود أو نتائج ملموسة، سوى بيانات فضفاضة عن المناخ والمعادن الحيوية.

الصين ترفض لعب دور المُغري.. وتُطالب أوروبا بالولاء أولًا

خلافًا لتوقعات المراقبين الذين ظنوا أن بكين ستغتنم فرصة العزلة الأوروبية بسبب سياسات ترامب لتبدأ حملة "غواية ناعمة"، إلا أن الصين اختارت سياسة مختلفة، وهي: الانتظار المشروط، والإصرار على أن تُظهر أوروبا ولاءها أولًا إذا أرادت علاقات أقوى.


صوت معارض داخل الصين: «هذه فرصة ضائعه»

بعض المحللين الصينيين البارزين — مثل يان شيويتونج ووو شينبو — دعوا بكين لاغتنام سياسة ترامب الانعزالية وبناء علاقات استراتيجية مع أوروبا، لكن القيادة الصينية فضّلت التمسك بنهج الضغط بدلاً من الإغراء.

ورغم رفع الصين بعض العقوبات عن برلمانيين أوروبيين، لم تُقدّم أي خطوات ملموسة في الملفات الحساسة مثل دعم موسكو، أو تخفيف قيود تصدير المعادن النادرة، أو حل مشكلة فائض الإنتاج الصناعي.

وهذه الملفات تسبّب قلقًا بالغًا في العواصم الأوروبية، خاصة أن الصين تهيمن على سلاسل التوريد الأساسية، بما في ذلك معادن البطاريات والطاقة النظيفة.

ووفقًا لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، الصين لا تتعامل بلغة الشراكة، بل بسياسة الهيمنة، حيث إن صادراتها الصناعية تغرق الأسواق العالمية، مسبّبة ضغوطًا كبيرة على اقتصادات أوروبية كبرى مثل ألمانيا، وبدل أن تخفف القيود على المواد الخام، تستخدمها كورقة ابتزاز تجاري.

وعلى غرار ذلك، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين صراحة: "الصين تُغرق الأسواق بمواد رخيصة لإخراج منافسيها من اللعبة".

وبحسب المجلة الأمريكية ذاتها، الصين لا تسعى لصداقة متوازنة، بل تريد من أوروبا فك ارتباطها بأمريكا، ورفع القيود الجمركية على سياراتها الكهربائية، وتوسيع الاعتماد الأوروبي على السوق والتكنولوجيا الصينية، لكن حتى الآن، لا تُقدّم شيئًا مقابل ذلك سوى الخطابات السياسية.

وجال وزير خارجية الصين وانج يي، أوروبا عدة مرات، وسفيرها لو شايا لم يتردد في انتقاد ترامب بشدة، داعيًا الأوروبيين لتغيير بوصلتهم نحو بكين، لكن المسؤولين الأوروبيين لا يرون في الصين شريكًا جديرًا بالثقة، بل قوة تمارس نفس أساليب الضغط التي يشكون منها في واشنطن.


أوروبا بين فكّي كماشة «ترامب وشي»

كشفت تصريحات صادمة من مسؤولي الاتحاد الأوروبي حجم القلق، حيث قالت المسؤولة التجارية إيفا فالي لاجاريز: "إن الصين تعطينا درسًا حيًّا عن لماذا نحتاج لتقليل المخاطر".

وحتى المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرز، أعلن أن هدفه "الاستقلال الفعلي عن الولايات المتحدة".

السبب وراء الموقف الصيني؟

ببساطة ـــ بحسب مجلة «فورين بوليسي» ـــ بكين ترى أن أوروبا لم تعد تملك ما يُغري، والولايات المتحدة، في عهد ترامب، تُضعف نفسها من الداخل "بتفكيك شبكات تحالفاتها، وهز ثقة حلفائها، وحتى تدمير أدوات قوتها الناعمة مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وصوت أمريكا".

كما أن الصين لا تحتاج لحملة دبلوماسية نشطة الآن، ففي رؤيتها، الغرب ينهار من الداخل، وتكفي مراقبة هذا التآكل بهدوء لتعزيز موقعها، ومن وجهة نظر بعض محللي بكين، فإن «انهيار النموذج الأمريكي في العلاقات الدولية هو فرصة ذهبية لا تحتاج لعجلة.. فقط قليل من الصبر».