الفحص النفسى قبل الزواج.. ضرورة وليس رفاهية

صورة تعبرية
صورة تعبرية


كانت تحلم ببيت صغير وزوج يحتويها، لكن وجدت نفسها فى نهاية المطاف فى المشرحة، هكذا كانت نهاية البداية التي تخيلتها الفتاة وردية وهي بالفستان الأبيض، حكايات غيرها بدأت يا «بنتي ده راجل محترم وانتهت بصور باكية» يعقبها بكاء الأم وهي تردد «يارتني سمعت كلامها»، إيمان التي سافرت الى ألمانيا على أمل حياة آمنة مع زوج متحضر يقدس العلاقة الزوجية وتكوين أسرة رجعت فى صندوق، داليا فى حلوان زوجها قتلها ونام بجوار جثتها يومين، دنيا ظل يضربها زوجها وماتت بعد أيام من التعذيب، والسبب هو عدم خضوع الزوجين للكشف النفسي قبل الزواج والسبب ببساطة هو عدم الوعي الكافي بأهمية الصحة النفسية وتأثيرها على الحياة الزوجية.

حسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء واحدة من كل السيدات تتعرض لعنف على يد الزوج ليس فقط عنفا جسديا لكن أيضا عنفا نفسيا؛ ولفظي ففى العام 2023 رصد المركز المصري لحقوق المرأة أكثر من 200 جريمة عنف ضد زوجات عدد كبير منهن انتهت حياتهن بالموت، وأشارت الأرقام أن 5,6 مليون امرأة تتعرض سنويًا للعنف من قبل الزوج أو الخطيب منهم 2,4 مليون يتلقين إصابات جسدية و200 ألف حالة يعانين من مضاعفات أثناء الحمل وفقط 75ألف امرأة يبلغن الشرطة.

وفى أحدث دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على عينة؛ أشارت الارقام إلى أن 75%من النساء يتعرضن لأشكال من العنف و80% يتعرضن للتحرش بمختلف أنواعه ونسبة 33% من الرجال يمارسون العنف و10% منهم عنف منزلي و14% منهن تعرضن للعنف الجسدي وجاءت التوصيات المستخلصة ضرورة تعزيز السياسات والتشريعات لتشمل تدريب إلزامي للعاملين الصحيين ودعم مالي واقتصادي للنساء، ومحاكم ومتخصصين نفسيين واجتماعيين مختصين فى قضايا العنف الاسري .

ومن هذا المنطلق فى الوقت الذي يخضع فيه المقبلون على الزواج لفحوصات طبية إجبارية للكشف عن الامراض الوراثية والمعدية تظل الصحة النفسية والعقلية خارج إطار التشريعات وكأن العنف والإهانة والتلاعب النفسي ليست أمراضا يمكن اكتشافها مبكرا، لكن فى ظل تصاعد حالات العنف الزوجي وتكرار الأخبار عن نساء يقتلن أو يعنفن داخل بيوت كان يفترض أن تكون آمنة، يطرح السؤال نفسه بقوة: «لماذا لايكون هناك تحليل نفسي إجباري للزوجين قبل الزواج؟!

اعتقاد سائد

تحليل يكشف عن الاضطربات السلوكية والاستعداد للسيطرة على الغضب أو حتى التاريخ النفسي الذي قد يشكل خطرًا على استقرار العلاقة، لذا طرحنا هذا التساؤل على مجموعة من الخبراء والمختصين فى مجالات العلاج النفسي والارشاد الاسري وعلم الاجتماع: هل يمكن لمثل هذا التحليل أن يسهم فى كشف المشكلات النفسية والسلوكية التي قد تتحول لاحقًا إلى عنف يمارس داخل العلاقة الزوجية؟!،فـ»الفحص النفسي» ضرورة لا رفاهية وكما أجمع أساتذة الطب النفسي والاجتماع.

دكتورة جيهان جمال الدين استشاري العلاقات الزوجية والإرشاد الاسري قالت: التحليل النفسي قبل الزواج ليس رفاهية كما يعتقد البعض لكنه ضرورة، العنف لايبدأ فجأة هو ناتج عن تراكمات نفسية داخل الشخص، سواء اضطرابات مزاجية، نرجسيه، أو ميل للسيطرة لذلك فالتحليل النفسي من الممكن أن يرصد أنماط الشخصية غير السوية التي يتوقع منها سلوكيات عنيفة مستقبلا خصوصًا الشخصيات العدوانية أو التي لديها صدمات لم تعالج، الصدمة أن كثيرًا من الجناة فى جرائم العنف الزوجي كانوا يبدون طبيعين جدًا قبل الزواج، الكشف النفسي هذا دوره جرس إنذار مبكر قبل وقوع الجريمة.

وعامة أنا فى شغلي مع الأزواج دائمًا أجد العنف يكون نتيجة عدم نضج عاطفي أو قصور فى المهارات النفسية على سبيل المثال «فيه رجال يتزوجون وهم غير مؤهلين لفكرة الشراكة أو متأثرين بأنماط ذكورية سامة تبرر لهم السيطرة والعنف»، لماذا نجري تحليل دم قبل الزواج ليه مانعملش تحليل نفسي لنفس الشخص؟ لكشف هل هو مستعد للعلاقة ولا بيهرب من مشاكل بداخله؟ فى رأي إدخال اختبار نفسي بسيط ومقابلة مع متخصص ممكن يمنع كوارث أسرية فى المستقبل، وعلينا أن نتخلص من الاعتقاد الزائف والسائد بأن الذهاب للطبيب النفسي «عيب».

دكتور خالد مرسي استشاري الطب النفسي والسلوكي يقول: التحليل النفسي قبل الزواج لو نفذ بشكل علمي ومحايد ممكن يكون أداة فعالة فى الوقاية من العنف الاسري لاننا نتعامل مع علاقات مبنية ليس فقط على الحب أو التوافق الاجتماعي لكن أيضا على الصحة النفسية للافراد الذين يدخلون بالفعل فى العلاقة، كثيرًا من حالات العنف الزوجي يكون وراءها شخصية غير مستقرة نفسيًا سواء بسبب تجارب طفولة قاسية أو اضطرابات فى إدارة الغضب أو ميول نرجسية أو سادية، هؤلاء الاشخاص تحديدًا قد يكونون ناجحين اجتماعيًا لديهم عمل وأصدقاء لكن عندهم أنماط سلوك مؤذية تظهر وقت الضغط أو الخلاف، التحليل ليس معناه أننا نقول فلان مريض نفسيًا بالعكس هو وسيلة لاكتشاف استعدادات كامنة، على سبيل المثال الشخص الذي لديه اضطراب فى السيطرة على الانفعالات من الممكن أن يجد نفسه فى موقف بسيط ويتحول بعدها لشخص عنيف جدا».

كذلك هناك أنماط شخصية خطيرة مثل الشخصية الاعتمادية أو الشخصيات التي تعاني من اضطرابات حدودية وهذا ينتج عنها علاقات عاطفية سامة ومعذبة، «نتخيل مثلا اتنين اتجوزوا وفيه طرف غير مستقر نفسيًا، النتيجة غالبًا انفجار عاطفي أو عنف أو ابتزاز وقد تنتهي بجريمة فى بعض الأحيان»، فى رأي المنظومة هذه لاتنجح بدون وعي مجتمعي وتدريب المتخصصين الذين بدورهم يقومون بعمل التقييمات ولكن لابد من وجود معايير واضحة لاتستخدم كوسيلة لاقصاء أحد أو للتصنيف لكن كأداة وقاية ودعم.

إساءة وتشهير

دكتورة إيمان السيد أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة تقول: نحن أمام ظاهرة اجتماعية ليست مجرد حالات فردية، ارتفاع نسب الطلاق والعنف داخل البيوت يثبت أن هناك خللا فى البنية النفسية والاجتماعية للزواج، المرعب أن معظم الجناة كانوا أزواجًا تقاسموا الحلوة والمرة سويًا وأنجبوا أولادًا، ليه مانعرفش من الاول اذا كان الشخص لديه استعداد للعنف أو ميول سيكوباتيه أو حتى عقد متراكمة تظهر مع أول اختلاف بسيط بين الزوجين، السؤال: هل المجتمع جاهز للفكرة؟!، قبل ما نجهز الفرح جهز نفسك يمكن التحليل النفسي مش هيمنع كل جريمة لكن على الاقل قد ينقذ أحدهما ومن الممكن أن يجعل الرجل يواجه عيوبه أو الفتاة أيضًا، الزواج ليس ورقة الزواج لكن أمان نفسي، انا مع إدخال اختبارات نفسية ضمن اجراءات الزواج لكن من وجهة نظري بشروط  بمعنى تكون هناك ضوابط واضحة حتى لايصبح هذا الاجراء أداة وصم أو تمييز ضد الطرف الآخر .

ويختلف دكتور طارق حسين أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس مع الآراء السابقة ويوضح قائلا: رغم اتفاقي أن العنف الزوجي مشكلة حقيقية ولها جذور نفسية لكن فرض تحليل نفسي اجباري قبل الزواج فيه تحديات كبيرة؛ أولا التشخيصات النفسية ليست دائمًا حاسمة الشخص الذي يبدو وكانه متزن فى اختبار أو مقابلة من الممكن أن تظهر عنده مشكلات بعد الزواج تحت ضغط الحياة اليومية يعني التحليل ليس ضمان كامل، ثانيا هناك خطر فى إساءة استخدام التقييمات النفسية سواء اجتماعيًا أو قانونيًا، ممكن طرف يستخدمها للتشهير أو التمييز وهذا يفتح باب للوصمة ضد أي شخص لديه مجرد شعور بالقلق أو اكتئاب بسيط، الحل من وجهة نظري ليس فى فرض تحليل نفسي لكن فى تعميم برامج التهيئة النفسية للمقبلين على الزواج مثل دورات إجبارية تتناول مفاهيم التوازن النفسي وإدارة الغضب وحل النزاعات، أعتقد هذا قد يكون أكثر فعالية وأقل حساسية من التحليل النفسي المباشر.

الكثير المقبلين على الزواج يتجملون ويتصنعون مايؤدي لزواج هش وتتساقط نتائجه سريعا لان التصنع وعدم صدق النوايا فى بداية العلاقة يؤدي الى انفصال أو صراعات متكررة قد تنتهي بجريمة.

اقرأ أيضا: استشارية أسرية: 4 أنواع من الصداقات تحصّن العلاقة الزوجية

;