لا بديل عن القاضى البشرى، لكن الذكاء الاصطناعى سيؤدى مهام مساعدة كثيرة فى المحاكم، ويثير إشكاليات خاصة بالعدالة ومخاطر التحيز
مع تسارع التطور التقنى، بات الذكاء الاصطناعى (AI) يدخل فى كل المجالات وينافس البشر فى كثير من المهن ويساعدهم فى الوقت نفسه، ما يوفر فرصًا واعدة ويثير تحديات وإشكاليات، فى هذا السياق اقتحم الذكاء الاصطناعى ساحات القضاء ليس كمتهم، وإنما كمساعد ومشارك للقضاة فى تحقيق العدالة، دون أن يؤثر ذلك على جوهر العدالة وأخلاقياتها.. كيف؟
يمكن للذكاء الاصطناعى القيام بالمراجعة الآلية من خلال تحليل (البيانات الضخمة) ملايين الصفحات من المستندات القانونية (مثل العقود، الأحكام، واللوائح) فى دقائق، وتصنيفها بحسب موضوعاتها أو القوانين المرتبطة بها، أو الأحكام السابقة، مما يوفر وقت المحامين والقضاة. كما يمكنه رصد وتحليل التعديلات فى القوانين والإجراءات والرسوم.. وإبلاغ المحامين والقضاة أولًا بأول. كذلك يمكن للذكاء الاصطناعى ترجمة وتحليل العقود والكشف عن المخاطر والثغرات القانونية والبنود غير المنطقية أو غير العادلة.
وحاليًا يستخدم كثير من المحاكم الأمريكية الذكاء الاصطناعى فى فرز القضايا وتنظيم المحاضر وتحليلها، علاوة على تسجيل الجلسات وأرشفتها وتصنيفها، أكثر من ذلك فإنها تساعد القضاة فى مراجعة القوانين والأحكام السابقة، وفى بعض الحالات تقترح أحكامًا على القضاة فى ضوء معطيات القضية، وعلى القاضى أن يختار أو يطور منها حكمًا، مما يوفر كثيرًا من الوقت والجهد. وبحسب إحدى الإحصائيات فإن نحو 44% من العاملين فى مجال القضاء والعدالة حول العالم يعتمدون بالفعل على أدوات مثل ChatGPT فى البحث عن القوانين وتحليل البيانات. وخلال السنوات الخمس القادمة من المتوقع أن يستخدم 91% من العاملين فى التحكيم الدولى الذكاء الاصطناعى لإنجاز أعمالهم بما فيها كتابة المذكرات والأحكام.
من زاوية أخرى سيوفر الذكاء الاصطناعى منصات مجانية لتقديم المشورة القانونية الأولية بالمجان أو بتكلفة زهيدة أمام كل المواطنين، ويشرح لهم خطوات التقاضى، وما هى احتمالات الحصول على حكم لصالحهم، مما قد يقلص من أعداد القضايا، وينشر وعيًا قانونيًا بين الناس، ويسمح لمحدودى الدخل من الوصول إلى العدالة.
لكن مقابل الفرص والمزايا التى يوفرها الذكاء الاصطناعى هناك تحديات وإشكاليات أبرزها مخاطر التحيز الخوارزمى فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى ضد بعض الفئات والجماعات مثل الملونين والنساء، وانتهاك خصوصية البيانات التى سيوفرها الأشخاص لمنصات الذكاء الاصطناعى التى تديرها شركات ربحية، علاوة على عدم وجود قوانين أو مواثيق شرف توضح حدود استخدام الذكاء الاصطناعى فى عملية التقاضى، وكيفية مراقبة أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعى، وعلى سبيل المثال فإن التوصيات القانونية أو الأحكام التى سيصدرها الذكاء الاصطناعى تظهر بدون شرح أو توضيح أو ما يعرف بالصندوق الأسود للخوارزميات، والتى تجعل من فهم الأحكام أمرًا صعبًا. وأخيرًا قد يخسر بعض العاملين فى المحاكم وكذلك بعض المحامين وظائفهم حيث ستحل محلهم تطبيقات الذكاء الاصطناعى.
وبدأت مصر جهودًا جادة لرقمنة مراحل التقاضى ولاستخدام الذكاء الاصطناعى فى المحاكم، وأطلقت وزارة العدل خطة تهدف إلى التوسع فى استخدام الوسائل الإليكترونية والتكنولوجية الحديثة فى منظومة عمل المحاكم، بما فى ذلك تعميم نظام التقاضى عن بُعد، وتطوير البنية التحتية للمحاكم، وتوسيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى إدارة القضايا، خاصة فى محاكم الأسرة. أضافة إلى تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعى لتحويل الكلام إلى نص مكتوب خلال الجلسات القضائية. وظهرت تطبيقات ذكاء اصطناعى مصرية تقدم المساعدة القانونية الأولية، وروبوتات محادثة ذكية للإجابة على استفسارات المواطنين حول كيفية رفع الدعاوى القضائية.
على أى حال فإن دخول الذكاء الاصطناعى فى أعمال المحامين والنيابة والقضاة أصبح أمرًا حتميًا لا يمكن تجنبه، ومن ثم لابد من الاستعداد له من خلال تدريب أطراف التقاضى على كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعى، وعلى كيفية حصر دوره كمساعد لتحقيق العدالة وليس قائدًا لها، حيث يجب الحفاظ على دور البشر بشكل أساسى فى عملية تحقيق العدالة، والتى تتطلب بالضرورة حسًا إنسانيًا ومشاعر طبيعية لا يمكن للذكاء الاصطناعى فهمها أو تقليدها. خلاصة القول يمكن للذكاء الاصطناعى تعزيز الكفاءة، الدقة، والإنصاف فى النظام القضائى، بشرط أن يدمج بشكل أخلاقى وإنسانى مع أنظمة التقاضى والعدالة الموجودة والتى يقودها البشر.

عمر حسانين يكتب:«عشري وعفريت العلبة»
قفزة للـرعاية الـصـحية مع الإصلاحات التعليمية
يومان أو ثلاثة !







