في مشهد يختلط فيه سحر التاريخ بظلال الجدل، تستعد دار مزادات حديثة العهد في لندن لبيع قطعة أثرية دقيقة ومثيرة، يُعتقد أنها من مقتنيات الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، وفقًا لموقع "magazine".

إنها ليست تمثالًا ذهبيًا أو قلادة مرصعة بالأحجار الكريمة، بل هي جندب عاجي مطلي، لا يتجاوز طوله تسعة سنتيمترات، لكنه يحمل عبق الحضارة المصرية القديمة وأسرارًا دفينة عن تجارة الآثار وسرقة التراث.
وبينما تُطرح القطعة في المزاد بسعر تقديري يتراوح بين 300 إلى 500 ألف جنيه إسترليني، تُثار التساؤلات: هل هو من مقتنيات مقبرة الملك الذهبي فعلاً؟ ومن يملك الحق في بيعه؟ وهل تصمت مصر كثيرًا إزاء تهريب تراثها مرة أخرى؟

قطعة صغيرة تحمل ثقل التاريخ
يبدو من الوهلة الأولى أنه مجرد تمثال صغير لجندب مصنوع من العاج المطلي بدقة فنية نادرة، لكن هذا الكائن الصغير يحمل تاريخًا عمره أكثر من 3300 عام، الجندب العاجي الذي يُعرض في دار "أبولو" للمزادات يحمل اسم "جندب غوينول"، ويرتبط تاريخه برموز كبرى في عالم الآثار والنهب والتجارة، من هوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ آمون إلى التجار والمتحف المتروبوليتان ومشترين من العائلة القطرية الحاكمة.

مسار غامض
وفقًا للوثائق المتاحة، تم شراء الجندب في عام 1948 من قبل أليستير برادلي مارتن، أحد أكبر هواة جمع الآثار في الولايات المتحدة، من تركة تاجر نيويوركي يُدعى جوزيف برومر، لكن الأصول الحقيقية للجندب تثير الشبهات؛ فبرومر نفسه اشتراه عام 1936 من التاجر المصري الشهير موريس نحمان، الذي يُقال إنه حصل عليه من هوارد كارتر.
كارتر، مكتشف مقبرة توت، كان محط شائعات واتهامات بسرقة مقتنيات من المقبرة، خاصة تلك القطع الصغيرة وغير المنقوشة، وقد وُجد بعد وفاته عام 1939 كنز أثري في شقته بلندن يضم قطعًا يُعتقد أنها جاءت من المقبرة، من ضمنها جندب غوينول.
هوارد كارتر والسر المكشوف
لم تكن اتهامات سرقة كارتر لأشياء صغيرة من مقبرة توت جديدة على الساحة؛ بل كانت محل جدل طويل، فقد أشار العديد من الباحثين، من بينهم توماس هوفينغ مدير متحف المتروبوليتان الأسبق، إلى وجود أدلة على أن كارتر سرّب قطعًا أثرية من المقبرة، إما لبيعها أو لإهدائها لأشخاص ذوي نفوذ، كان الجندب ضمن هذه الفئة "المهربة"، دون أن يكون ضمن الجرد الرسمي الذي وثّقه كارتر للمقبرة.

وكشف هوفينغ في كتابه "توت عنخ آمون: القصة غير المروية" عن تفاصيل دقيقة تدين المتحف والمقتنين وبعض المؤسسات التي كانت تغض الطرف عن المصدر الحقيقي لهذه الآثار، بل وتفخر بامتلاكها كأنها إنجاز شخصي.
شهرة الجندب ومكانته في سوق الفن
رغم صغر حجمه، أصبح جندب غوينول من القطع الأسطورية في عالم جمع التحف، وقد وصل إلى يد الشيخ القطري سعود آل ثاني، أحد أبرز جامعي الآثار في أوائل القرن الحادي والعشرين، الذي اشتراه بمبلغ 1.2 مليون دولار، مبلغ ضخم حينها، لكنّه يقل كثيرًا عن أسعار اليوم.

كان الشيخ سعود معروفًا بشغفه بقطع فريدة وغريبة، حتى لو ارتبطت بتاريخ نهب أو مصادر غير واضحة، وقد ألقت السلطات القطرية القبض عليه عام 2005 بتهم تتعلق باختلاس المال العام لشراء هذه المقتنيات، وتوفي لاحقًا عام 2014، ومنذ وفاته، يحاول ورثته تصفية المجموعة، ومنها هذا الجندب.
رفض كريستيز وسوذبيز.. وتحفّظ المؤسسات
بشكل مثير، رفضت دور المزادات الشهيرة مثل كريستيز وسوذبيز عرض الجندب، ربما تحاشيًا لفضائح محتملة، لتتولى المهمة دار "أبولو" الصاعدة، التي عرضت القطعة تحت عنوان "من مجموعة الأمير: أسطورة توت عنخ آمون".
وفي ردها على استفسارات صحفية، قالت "أبولو" إن الصلة بين الجندب ومقبرة توت "فرضية علمية وليست حقيقة مثبتة"، نافية وجود أي دليل قانوني يُدين بيعها، لكن ما ورد في الكتالوج أشار بوضوح إلى احتمال ارتباط القطعة بالمقبرة الشهيرة.

صمت حكومي
في حالات سابقة مشابهة، سارعت وزارة السياحة والآثار المصرية إلى مخاطبة دور المزادات ومطالبتها بوقف البيع، كما حدث مع تمثال رأس توت عنخ آمون الذي بيع في لندن عام 2019، لكن في حالة الجندب، لم يصدر حتى الآن أي تصريح رسمي من الوزارة، ولا من السفارة المصرية في لندن.
هذا الصمت يطرح تساؤلات، خاصة وأن القطعة موثقة في أرشيفات تربطها بهوارد كارتر، وبالأشخاص المتورطين في تهريب قطع من المقبرة، وحتى المتحف البريطاني، الذي عادة ما يُعلّق على مثل هذه القضايا، التزم الصمت أيضًا.
جدل قانوني وأخلاقي حول بيع الآثار
تُعد قضية بيع الجندب نموذجًا مصغرًا للصراع المستمر حول ملكية التراث الثقافي المنهوب، فحتى إن لم توجد وثيقة قاطعة تؤكد أنه من مقبرة توت، فإن مساره من كارتر إلى نحمان إلى برومر ثم إلى برادلي مارتن، يُرجّح كفّة كونه جزءًا من آثار المقبرة.
هنا تبرز معضلة القانون الدولي الحالي الذي لا يُلزم دور المزادات بإرجاع القطع الأثرية إذا لم تكن هناك وثيقة مسروقة واضحة أو جرد رسمي يُثبت الملكية الأصلية، لكن يبقى البُعد الأخلاقي قائمًا: هل يحق بيع قطعة ذات صلة مباشرة بواحدة من أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين؟
هل هناك فرصة لاستعادة الجندب؟
وفقًا للقانون المصري لحماية الآثار، تُعتبر جميع الآثار المصرية القديمة، المنقوشة وغير المنقوشة، مملوكة للدولة المصرية، ولا تسقط هذه الملكية بالتقادم، كما تنص اتفاقية "اليونسكو 1970" على عدم جواز تصدير أو نقل ملكية الممتلكات الثقافية بشكل غير مشروع.
ورغم أن الجندب خرج من مصر قبل هذه الاتفاقية، إلا أن التوثيق الواضح لعلاقته بكارتر ومصدره المشتبه به يمنح مصر أحقية قانونية وأخلاقية في المطالبة به، تحتاج مصر إلى تحرك دبلوماسي فوري ورسمي من الجهات المعنية، مع تعاون دولي من الشرطة الدولية "الإنتربول" والمنظمات الثقافية الكبرى.
مصير الجندب في مزاد 27 يوليو
مع اقتراب موعد المزاد، تبقى الأسئلة دون إجابات واضحة. هل سيُباع الجندب؟ هل ستتدخل مصر؟ وهل من الممكن أن يظهر مشتري جديد يُعيده إلى بلاده الأم؟ كل الاحتمالات واردة، لكن الشيء المؤكد أن هذه القطعة الصغيرة تعكس أزمة عميقة تتجاوز قيمتها المادية، وتصل إلى قلب معركة الحفاظ على هوية الشعوب وحقها في تاريخها.
أكثر من مجرد جندب
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بجندب عاجي أو بمزاد في لندن فقط، بل بقضية كبيرة تشغل العالم المعاصر: من يملك التاريخ؟ وهل يجوز لأي فرد أو مؤسسة أن تتفاخر بامتلاك جزء من حضارة الآخرين؟
ما زال العالم يترقب قرار مصر، ويأمل أن تعود هذه القطعة — كغيرها من الآثار المنهوبة — إلى موطنها الأصلي، حيث تنتمي وتُروى قصتها بالكامل ضمن سياقها الحضاري الصحيح.
اقرأ أيضًا | لحظة التي أوقفت الزمن| أول صورة لمومياء توت عنخ آمون منذ أكثر من 3 آلاف عام

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







