قد يكون الظلم نقرة القدر على أبوابنا لنستفيق من وهم برىء استكنا لدفئه لوقت طال بنا
من منا لا يحب أن يعتقد أنه لن يتعرض لظلم قط؟ لا يستثنى أحدا، ولن يعزف أحد عن دفع ما يقدر عليه لتحقيق ذلك الوهم الجميل لو كانت أسبابه مباعة مشتراة للتزود بها فى الحياة، التى هى ميدان وتجاربها أسواقها، نعبر فيها عن قيمنا، وشكل الحياة التى نبتغيها لأنفسنا وجوهرها، بقراراتنا عما نريد أو لا نريد، تعكسها اختياراتنا لما ومن نضمه لحياتنا، وما ومن نبعده، أى «بالبلدي» بالبيع والشراء بالمال وبدونه، ليس للماديات فقط، بل أيضاً للأشخاص والمعنويات.. هكذا هى الحياة.
لا ضرر من ذلك الوهم ولا نفع، حتى يغوص الإنسان فيه دون وعي، فبعض الناس يمرون بفترات أولية من حياتهم لا يطرأ على بالهم الظلم أصلاً لا كفاعل ولا كمفعول به. السبب؟ أنهم طيبون، محبون، رحيمون، منصفون، متسامحون، متعاونون فى الخير، صادقون أمناء أوفياء، وبتلقائية طبيعية فائقة يعيشون وكأن هالة طيب نفوسهم وأخلاقهم وسيرتهم تلفهم لفاً ككنف آبائهم وأمهاتهم، وكأنها حصن منيع لن يجرؤ شارد على اقتحامه بظلم، ودرع واقى من سهام الغدر أن تصيب، فبالله عليكم، من ذاك البعيد الشقى الذى سيدنو ليظلم هؤلاء الأنقياء؟
سؤال إجابته مرة الطعم كالقهوة لكن فيها دواء.
فسيجيء يوم ينطلق فيه سهم صوب هؤلاء المجسدين للقيم الكونية، ولا يأتيهم إلا من خلفهم، فهم منشغلون بالمحبة والوفاق والصدق والإخلاص والتفانى والإنجاز، غير متلفتين وراء ظهورهم فى أحوالهم تلك التى فيها سلامهم، فبات يحسدهم عليه مفتقده الذى يرمقهم من بعيد أو قريب ولم يلحظوا فحوى عينيه، حتى يكون يوم لم يتوقعوه، يأتيهم فيه ظلم لم يحسبوه آتياً، فيخونهم من منحوه وداً صادقاً ووفاء أو يغدر بهم من اعتادوا إكرامه ومعونته.
تتساقط آنذاك أقنعة كانت ترتديها وجوه متململة لسنوات حتى ضاقت الوجوه بالأقنعة ثم صهرتها ضغوط مواقف كاشفة، فتتجمد عروق الأنقياء وهم يحدقون فى وجوه يبصرونها لأول مرة.
لكن مرتدو الأقنعة كانوا دائماً فى صراعات داخلية تعززها المسافة المعنوية الفاصلة بين باطنهم وظاهرهم، التى تسمح لبعضهم بإيجاد مساحات فى ضمائرهم لإنكار سيئ الفعل، وتبرير الظلم، كنقض العهد بحجة تصحيح المسار، والفساد بحجة الإصلاح، والجحود بحجة التقوى. ينمو الاضطراب الأخلاقى فى تلك المساحة، فأن يقيم الإنسان لها أوتاداً يتسلل إليها المزيد من الظلام ثم يحتلها ويسكنها، فيعمى الإنسان عن قسوة أفعاله، يصدق أكاذيبه ويتفاخر بعدوانه، ومع كل تباهٍ يتشقق القناع.
قد يرى الأنقياء بأعينهم وينكرون بعقولهم ما يشاهدونه من سهامٍ انطلقت منذ فترة قبل سقوط الأقنعة، لذلك بسقوطها يتلقون صدمات قد تزلزل كيانهم، وقد يعتزلون الحياة لإخفاء شدة آلام جروح غائرة أصابتهم من مسافات قريبة، وقد يهتز تقييمهم لأنفسهم ويفقدون توازنهم الداخلى فيدخلون فى مراجعات نفسية قاسية لا قرار لها بحثاً عن خطأ ارتكبوه لتبرير ظلم أو غدر عزيز أحبوه وساندوه، متوهمون أن التبرير أقل وطأة من تقبل انعدام حب أو وفاء، لكن الظلم ليس أبداً استحقاق المظلوم وإنما هو قبيح اختيار من اختار أن يغدر أو يخون.
لذلك يدفع لوم النفس النقى الوفى من أعالى جبال القيم حيث كانت أقدامه ثابتة إلى وادٍ سحيق لا ينجو منه أحد، إنما النجاة بالتشبث بنفس حبل القيم الكونية، وإن أفلته هزم نفسه كمن اختار قبله تركه. فالخروج من الأسى وخيبة الأمل بعد ظلم يستوجب التمسك بذلك الحبل المتين حتى وإن التأمت جراح الإنسان وعبر محنته ببطء، وليخطو بعدها بخطوات متأنية، المهم أن ينهض ويكمل المسيرة، فما العالم فى غنى عن الأنقياء الأوفياء.
قد يكون الظلم نقرة القدر على أبوابنا لنستفيق من وهم برىء استكنا لدفئه لوقت طال بنا، فحان أن ندرك أن تمسكنا بالقيم لا ينسج لنا غطاءً يقينا فوضى الآخرين، إنما هو وسيلتنا لأن نشعر بالبهجة الهادئة والسلام الداخلى حين ننظر فى المرآة، فتثبت أقدامنا حيث هى ولا نهوى من أعالى الجبال.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







