تتوارى في أركان القاهرة القديمة شواهد تخبئ داخل كلماتها أسرارًا وأرقامًا، منها ما يُعرف بـ"حساب الجُمّل" الذي يظهر في نقش قبر الجنرال الفرنسي "سليمان باشا الفرنساوي"، أحد أعمدة الدولة الحديثة في عهد محمد علي باشا.
ففي سبعة أسطر منقوشة بإتقان شعري، يحمل السطر الخامس كلمة "أرخ"، لتُصبح مفتاحًا لكشف تاريخ وفاته بطريقة عددية خفية طالما استخدمها الأدباء والعلماء في العصور الإسلامية.
سليمان باشا الفرنساوي، وُلد باسم جوزيف سيف، ضابط فرنسي التحق بجيش نابليون، ثم التحق بخدمة محمد علي باشا في بدايات تأسيس الدولة الحديثة في مصر. أسلم وتسمّى باسم "سليمان"، وتدرّج في الرتب حتى أصبح من كبار القادة، ومؤسس المدرسة الحربية في مصر، وكان له دور بارز في تحديث الجيش المصري وفق النمط الأوروبي الحديث.
موقع القبر
يُوجد قبره في القاهرة داخل مقبرة تاريخية تابعة للعائلة الملكية، وتُزيّن شاهد قبره أبيات شعر عربية تُلخص مسيرته، وفيها سرّ رقمي يُعرف بـ"حساب الجُمّل".
نص الشاهد
ها هنا قد اثوى امير جليل
بعد ان شاد منصبا منذ عاشا
فى سبيل الاسلام لم يال جهدٱ
بجهاد قد زاد مصر انتعاشا
فلذا قالت العناية ارخ
جل فى رحمتى سليمان باشا
سنة 1276
حساب الجُمّل هو طريقة قديمة لتحويل الحروف إلى أرقام، حيث يُعطى كل حرف من حروف اللغة العربية قيمة عددية محددة (مثلًا: الألف = 1، الباء = 2، الجيم = 3... إلى أن تصل للياء = 10، والكاف = 20، وهكذا حتى الغين = 1000).
في هذا السياق، تُستخدم كلمة "أرخ" في الشعر أو النثر للإشارة إلى أن ما بعدها يحتوي على تاريخ معين بطريقة حساب الجُمّل.
السطر الخامس.. وفكّ رمزه
"فلذا قالت العناية أرخ"
"جل في رحمتي سليمان باشا"
عند حساب القيمة العددية لكل حرف في الشطر الثاني من هذا البيت – وهو ما بعد "أرخ" – نحصل على التاريخ الهجري 1276 هـ، وهو العام الذي تُوفي فيه سليمان باشا، أي ما يُقابل تقريبًا عام 1859م.
وهذه الطريقة كانت منتشرة بين العلماء والشعراء لتخليد التواريخ المهمة في طابع فني أنيق دون التصريح المباشر بالتاريخ، بل بجعله متضمَّنًا في الجملة بشكل رمزي.
إقرأ أيضًأ | «منة» تؤسس صالون إدراك الثقافى.. وتفيد ٥٠٠ قارئ بـ «ممكن أستعير كتاب»
لماذا هذا مهم؟
لأنه يُظهر الدمج الفريد بين الفن والعلم في الحضارة العربية الإسلامية، ويعكس الاحترام الكبير لمكانة سليمان باشا، ليس فقط كقائد عسكري، بل كشخصية محورية في نهضة مصر الحديثة، كما أن هذا الشاهد يُعد وثيقة أدبية وتاريخية، تخبرنا عن حقبة كاملة بلغة شعرية ورمزية رقمية.
قبر سليمان باشا الفرنساوي ليس مجرد مكان دفن، بل قطعة من التاريخ محفورة على الحجر. ومن خلال سبعة أسطر فقط، يُعيدنا إلى زمن الإبداع الرمزي، حيث كانت الأرقام تُنسج مع الحروف في سيمفونية خالدة، تُخلّد ذكرى رجل جمع بين عبقرية العسكرية وروح الشرق، ورحل عن الدنيا، لكن حساب الجُمّل حفظ اسمه وتاريخه في نقش لا يزال يتحدث بعد أكثر من قرن ونصف.

روبوتات تحضر القهوة وكلاب عسكرية ذكية.. تقنيات خطفت الأنظار في تايوان
دراسة: 35 مليون إصابة بالسرطان سنويا و100 مليون وظيفة شاغرة بحلول 2050
بآلاف الأصداف البحرية.. أمريكية تحول سيارتها إلى عمل إبداعي خطف أنظار الملايين







