أعيش فى القاهرة منذ عام 2000، ولأننى بالأساس ابن مدينة هادئة لا تعرف الزحام، وهى مرسى مطروح، فقد صدمتنى العاصمة بزحامها وضجيجها، وكانت أكبر مشكلة واجهتنى ولا تزال حتى الآن «المواعيد المضروبة» واستغراق وقت طويل فى الذهاب من مكان إلى آخر، ففى القاهرة يدخل الناس فى صراع يومى مع الزمن بسبب «زحمة الشوارع» القادرة بكل سهولة على تحويل «خمس دقائق وأكون عندك» إلى ساعة ونصف!
مؤخرًا، وبينما كنت أتصفح عددًا من المواقع الإخبارية على الإنترنت، صادفت خبرًا أدهشنى كثيرًا، مفاده أن «أقصر يوم فى حياة الأرض سيحدث قريبًا»، والسبب هو أن الأرض بدأت تدور بسرعة أكبر، ما يعنى أن اليوم سيفقد حوالى 1.5 ملى ثانية من مدته، وهو مقدار متناهى الصغر لكن تأثيراته قد تكون خطيرة للغاية، خصوصًا على الأنظمة التقنية.
الباحث البريطانى فى جامعة لندن جراهام جونز، كشف أن الأرض تمر بمرحلة تسارع لم يسبق تسجيلها من قبل، وتوّقع أن يتم تسجيل أقصر يوم خلال أحد التواريخ التالية: 9 يوليو، أو 22 يوليو، أو 5 أغسطس 2025. وهذا التقلُّص فى زمن اليوم يحدث نتيجة تغيّر فى سرعة دوران الأرض، ويراه العلماء تطورًا مقلقًا له انعكاسات حقيقية، قد تؤثر على نظام تحديد المواقع العالمى (GPS)، وعلى طريقة عمل بعض الشبكات الرقمية الحساسة حول العالم.
ورغم حالة الصدمة التى أصابتنى من فكرة تقلّص الزمن على كوكب الأرض، عدت إلى هدوئى الطبيعى وقلت لنفسى إنه مجرد 1.5 ملى من الثانية ونحن كبشر نضيّع ساعات طويلة فى أمور ليست مفيدة ولا جدوى حقيقية لها، بالتالى يستحيل أن ينتبه أحد لهذا الحيز الزمنى الصغير جدًا، خصوصًا فى القاهرة التى نهدر فيها الكثير من الوقت، فقاموسنا هنا يفسر عبارة «جاى لك حالًا» بأنها تعنى أنك «لسه فى البيت»، ولذا فإن خسارة ملى ثانية لن يؤثر فى حياتنا مطلقًا.
التعامل مع الزمن فى ثقافة الكثيرين منا يخضع لقوانين خاصة، لا علاقة لها فى الحقيقة بالفيزياء أو بالرياضيات ولا حتى بالمنطق، فالوقت هنا شىء نسبى ومطاطى جدًا.. عندما تقول لصديق «استنانى تحت، أنا خلاص نازل»، فأغلب الظن أنك «لسة بتلبس»، بالتالى فإننى لا أجد أهمية لمسألة اختصار الزمن على الأرض بمقدار ملى ثانية أو أكثر فى اليوم، ففى كل الأحوال تستغرق الرحلة من أكتوبر إلى وسط البلد حوالى ساعة، ما يعنى أن هذا التغيير الضئيل لن يُحدث أى فارق يُذكر، بل إن البعض قد يراه «خبر حلو»، مثل صديق لى علّق بطريقة ساخرة على الخبر قائلًا: «تمام جدًا، عاوزين اليوم يخلص بسرعة، الدنيا حر وإحنا مش ناقصين فرهدة».
وعلى الرغم من محاولات العلماء تفسير هذه الظاهرة بناءً على تغيرات تحدث فى باطن الأرض أو توزيع الكتلة بين اليابسة والمحيطات، فإن المصرى المعروف بخفة ظله بدأ يفكر فى الموضوع من منظور مختلف، وهنا لن أحرمكم من تعليقات باقى أصدقائى على خبر الملى ثانية.. أحدهم يعمل موظفًا فى إحدى الشركات قال: «بما إن اليوم بقى أقصر، هقول لهم فى الشغل عاوزينى آجى بدرى ليه؟»، بينما قال آخر متهكمًا: «المدير هيحاسبنا على التأخير بالملى ثانية، رغم إنه بييجى الشغل متأخر ساعة»، وقال ثالث: «أنا حاسس من إمبارح إن فيه حاجة ناقصة.. طلعت ملى ثانية».
الغريب فى هذه الظاهرة أنها تضعنا أمام مفارقة كوميدية، وهى أن العالم مشغول بقياس أجزاء من الألف من الثانية، فى حين أن الكثير من الشعوب لا تملك علاقة واضحة بالثوانى ولا الدقائق، فلو أنك قررت أن تضبط مواعيدك بدقة، ستظل تصطدم بالواقع المحيط بك الذى يطلب منك الانتظار قليلًا، ثم طويلًا، ثم ربما تضطر للانتظار إلى أجل غير مسمّى، مثل انتظارك أحيانًا لمدة 20 دقيقة على الهاتف ليرد عليك موظف خدمة العملاء فى إحدى شركات الاتصالات، أو أنك تطلب «أوردر» من مطعم فيصلك بعد أكثر من ساعتين بحجة أن «الطريق زحمة»، أو تنتظر دورك فى البنك لمدة ساعة رغم أنك تحتاج فقط إلى تحديث بياناتك الذى لن يستغرق أكثر من خمس دقائق.. وهكذا يمكن القول إن الأرض قد تسرّع من دورانها، لكن مواعيدنا تظل كما هى تتأخر، وتتبدل، وقد تُلغى تمامًا.
ملحوظة أخيرة، إذا أعجبك هذا المقال فإننى أشكرك من كل قلبى، وإذا لم يحظ بإعجابك فإننى أعتذر لك عن كل «ملى ثانية» أضعته من وقتك فى القراءة!
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







