شكّلت ثورة 30 يونيو 2013، لحظة فاصلة في التاريخ السياسي والاجتماعى المصري، أعقبها تغيّر في الخطاب العام، نابضا بالوعي الوطني، وكذلك في المشهد الثقافي والفني، لا سيما السينما التي لعبت - بطبيعتها كمرآة للمجتمع ومجال للتعبير الحر - دورًا مهمًا في تمثيل تلك اللحظة وتداعياتها وتعددت الرؤى الفنية في رسالتها للجمهور .
وقد برز عدد من الأفلام التي تعاملت مع هذه اللحظة، والتي تدعونا نقف أمام نهجها الفني، ورؤيتها السياسية، وتأثيرها على وعي الجمهور، تلك الأعمال التي تناولت الحدث، منذ اندلاع ثورة 30 يونيو 2013، ظلّت تداعياتها حاضرة في المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي المصري لتلك الثورة الشعبية العظيمة التي انتفضت ضد حكم جماعة دينية إرهابية كادت أن تعصف بمقدرات الوطن، وقفت السينما المصرية أمام معضلة: «هل تقترب من الحدث مباشرة وتكون صورة واقعية؟، أم ترويه من منظور رمزي؟».
فيلم « اشتباك » للمخرج محمد دياب إنتاج عام 2016
يُعدّ من أنضج المعالجات السينمائية لواقع مصر بعد 30 يونيو، تدور أحداثه بالكامل داخل عربة ترحيلات، تجمع شخصيات من خلفيات سياسية متباينة: مؤيدون للجيش العظيم، أنصار لـ «الإخوان»، صحفيون ومواطنون عاديون.
الفيلم يقدم تجربة إنسانية مشحونة، ترك الانحياز فيها لإحساس الجمهور بضرورة الحفاظ على مستقبل الوطن، اختار دياب الكاميرا المحمولة والإيقاع المتوتر ليعكس شعور الخنقة المجتمعية فى ظل حكم «الإخوان» المتعصب، والذي كشفت مشاهده عنه ليبقى وثيقة سينمائية مبكرة شديدة الذكاء.
يعالج سيناريو الفيلم - الذي شارك بمسابقة مهرجان «كان» السينمائي - الانقسام السياسي والمجتمعي لا الحدث نفسه، من داخل علبة مغلقة (السيارة)، في رمزية لواقع مصر السياسي وهو يمر بمنعطف جديد.
المعالجة الدرامية متميزة في توظيف المكان المغلق لخلق توتر دائم، دون اللجوء إلى خطاب مباشر أو شعارات سياسية.
التصوير والإخراج ذكي يُحاكي الوثائقية، يعكس الفوضى والعنف العشوائي الذى فجر احساس الجمهور بقيمة الثورة .
فيلم « نَوّارة » إخراج هالة خليل - إنتاج عام 2015
يحكي عن فتاة بسيطة تعمل خادمة لدى أسرة سياسية من النظام السابق بعد الثورة، تأمل «نَوّارة» أن التغيير قادم، ليمحو واقع أكثر قسوة .
الفيلم لا يتحدث عن 30 يونيو مباشرة، لكنه يُجسّد أثر الثورة على الطبقات المهمشة، «نَوّارة» تمثل الجيل الذي حلم وانكسر ثم حلم من جديد، وجاء الأداء الصادق لمنّة شلبي، والإخراج الإنساني الواقعي، جعلا من الفيلم شهادة اجتماعية لا تقل أهمية عن الأفلام السياسية، فيلم نسوي اجتماعي، أكثر منه سياسي مباشر، لكنه شديد الصدق والإنسانية.
فقد استطاعت هالة خليل أن تؤكد موهبتها الكبيرة في تجربتها الثالثة بفيلم حقيقي وإنساني عن الثورة، دون افتعال، كان السرد الدرامي سلسًا، ومنحت بطلتها فرصة تلهمنا بواقعها المؤلم والحالم، «نوارة» بالنسبة لها هي مصر، وقد جسدت منة شلبي دورها بإقتدار شديد على طريقة النجمات الكبار، وكشفت عن نضج واضح بلا شك.
فيلم « الميدان » إخراج جيهان نجيم إنتاج عام 2013
وثائقي حيوي من قلب ميدان التحرير، يوثق الثورة من بداية منحنى يناير 2011، مرورا بالإطاحة بمرسي، وحتى بيان 3 يوليو.. وثيقة بصرية للتاريخ، ومرآة حقيقية لميدان التحرير، الذي أصبح أيقونة شعب .
يتناول العلاقة بين كافة الأطراف الجيش، الإخوان، والثوار المدنيين، حيث يقدّم شهادات حية من نشطاء ومشاركين بتوثيقه البصري العفوي لحظات مصيرية.
متضمنًا مواجهة العنف، خلافات التيارات، والطموحات.. أظهر الثورة كحدث حيّ شارك فيه الجمهور معتمدا على شخصيات حقيقية.
اللغة البصرية تصوير حي من قلب الميدان، بمزيج من الوثائقي والفني، ويحمل طاقة هائلة، لكنه يفتقر أحيانًا للتأمل.
حصل الفيلم على جائزة الجمهور في «صندانس»، وترشيح لجائزة «أوسكار»، وأثَّر عالميًا على نظرة المشاهد الغربي للمشهد المصري.
فيلم « آخر أيام المدينة »إخراج تامر السعيد إنتاج 2016
عمل شاعري عن مخرج يعيش في القاهرة ويشعر بالغربة، في زمن لا يثق فيه أحد بمستقبله، ولا يذكر 30 يونيو أو يناير بشكل صريح، لكنه يعكس مناخ التيه وفقدان المعنى الذي ولد من جديد مع 30 يونيو .
عمل غنيّ بالدلالات، السينما هنا لا تشرح الحدث، بل توثق تأثيره على الروح والمدينة أو الذات، عبر قصة مخرج يحاول تصوير فيلم عن القاهرة في سنوات ما قبل الثورة، وسط شعور طاغٍ بالضياع والتفكك.
يرسم المناخ النفسي للمدينة العالقة بين الخوف والأمل.
تبرز مكانة نماذج تلك الأفلام من خلال السياق الفني والسياسي والاتجاهات والتأثيرات، وأيضا الواقعية والرمزية والوضوح، حيث شهدت مصر بعد 30 يونيو 2013 تحولات جذرية، ليس فقط في نظام الحكم، بل في شكل الحياة العامة والفضاء الثقافي، أعادت الدولة رسم ملامح الرؤية التي تفاعل معها الفنانين، وبات واضحًا أن السينما – كوسيلة تعبير جماهيري – لم تعد بعيدة عن هذا التوجه الذي يحض على أهمية الوطن .
اتجهت السينما ومن وراءها الدراما أيضا بواقعية معالجتها للحدث في بعض الأعمال، إلى أن ما جرى في 30 يونيو كان «ثورة شعبية» أنقذت البلاد من حكم جماعة إرهابية، ووقف الجيش بجانب الشعب لإنقاذ الدولة، وتصوير «الإخوان» كمصدر تهديد وجودي بالاعتماد على وثائق حقيقية أو مشاهد أرشيفية.
تعاملت السينما المصرية مع ثورة 30 يونيو بوصفها حقلًا مُسيّسًا أكثر من كونها مادة إنسانية للجدل الفني، وظهرت أعمال قوية فنيًا ودراميًا، لكن اتجاهها العام انقسم بوضوح: «خطاب رسمي يحسم التاريخ ويقدمه في صورة بطل ومنقذ».
خطاب رمزي يحاول استكشاف «ما بعد الثورة» من داخل الشخصيات والشارع.
يمكن القول إن السينما المصرية لم تُنتج عددًا كبيرًا من الأفلام التي تتناول 30 يونيو بشكل مباشر، لكن رغم ذلك، هناك أفلام قليلة، عميقة وفنيّة، قدمت رؤى ناقدة أو إنسانية لما حدث، وإن عبر طرق رمزية وغير مباشرة، وعلى المدى الطويل، قد تصبح هذه الأفلام هي السجل الحقيقي الأكثر صدقًا لما جرى.
ولعل السنوات المقبلة تأتي بأفلام قادرة على تقديم رواية متعددة الأوجه، تعكس كم كانت «المأساة» ومن بعدها مسار الأمل وعودة الوطن في آن واحد، وتنقل التاريخ من زاوية اجتماعية ووطنية.
ويبقى التحدي: «هل تستطيع السينما المصرية أن تروي هذه اللحظة بكل زواياها؟»، لنرى فيلمًا مصريًا يعرض 30 يونيو كما عايشها الشارع.
«هل تحتاج ثورة 30 يونيو إلى فيلم سينمائي ضخم؟»، نعم، لأن الحدث ضخم ومصيري، 30 يونيو 2013 كان لحظة فاصلة في تاريخ مصر الحديث...
خالد محمود يكتب : هوس يحاصر الإبداع
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟






